مسمى عبدوه مبتدأ خبره نسبة الضلال إليهم. أي إلَى العابدين، والْمُرَاد نسبة الضلال إليهم نسبة
نسيان الذكر فإنه نسبة الضلال. قوله من حيث إنه الخ. تعليل له أي تلك النسبة ليست بأنهم
خالقون الضلال بل من حيث إنه بكسبهم وصرف الاختيار الجزئي إليه. قوله وإسناد له أي
الضلال إلَى ما فعل الله بهم وهو تمتيعهم وآباءهم بأنواع النعم فحملهم أي ما فعل الله
تَعَالَى حملهم عليه أي عَلَى الضلال، وهو أي هذا الْمَذْكُور وهو إسناد الْفعْل كالضلال مثلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أأنتم أضللتم عبادي أم هم ضلوا بأنفسهم فيتبرءون من إضلالهم ويستعيذون له أن يكُونُوا مضلين
ويقولون بل أنت تفضلت من غير [سابقة] عَلَى هَؤُلَاء وآبائهم تفضل جواد كريم فجعلوا النعمة التي
حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم فإذا برأت الْمَلَائكَة
والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذ [واستعاذوا منه] ، فهم لربهم الغني
العدل أشد تبرئة وتنزيهًا منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة والتمتيع بها، وأسندوا
نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلَى الكفرة فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده اللَّه إلَى ذاته في
قوله (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ) ولو كان هُوَ المضل عَلَى الحقيقة لكان الْجَوَاب العتيد أن
يقولوا: بل أنت أضللتهم. إلَى هنا كلامه وقال صاحب الفرائد: أما الْجَوَاب عن قوله فيتبرءون من
إضلالهم ويستعيذون به أن يكُونُوا مضلين إنما تبرءوا واستعاذوا به منه لأنهم يستحقون العذاب
بإضلالهم، ولم يكن منهم إضلال لهم فيجب عليهم أن يقولوا ذلك الْكَلَام وهو قولهم:(سُبْحَانَكَ
مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ)ليندفع عنهم ما يستحقون به من
العذاب وذلك أنهم مسئولون عَمَّا يَفْعَلُونَ، واللَّه تَعَالَى لا يسأل عَمَّا يفعل، فيلحق بهم النقصان إن
ثبت عليهم الإضلال ولا يمكن لحوقه به تَعَالَى؛ لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يسأل عَمَّا
يفعل. وعن قوله ولقد نزهوه حين أضافوا إلَى آخره. فهو أن قولهم ولكن متعتهم الخ. لا ينافي نسبة
الإضلال إليه عَلَى الْحَقيقَة، وَأَيْضًا ما يؤدي إلَى الضلال إذا كان منه تَعَالَى وكان معلومًا له أنهم
يضلون به كان فيه ما في الإضلال بالْحَقيقَة فوجب عَلَى مذهبه أن لا يجوز عليه وعن قوله ولو كان
هو المضل عَلَى الْحَقيقَة لكان الْجَوَاب [العتيد] أن يقول بل أنت أضللتهم بأن هذا غير مستقيم لأنه
تَعَالَى لا يسألهم إلا عن أحد الأمرين إضلالهم إياهم أو ضلالهم بأنفسهم فَكَيْفَ يكون بل أنت
أصللتهم جوابًا عتيدًا له؟ بل هُوَ جواب من قال من أضلهم والله الهادي. وقال الإمام: قالت المعتزلة
لو كان قوله ولكن متعتهم وآباءهم دل عَلَى ما ذكرتموه للزم أن يصير الله تَعَالَى محجوجًا ومعلوم
أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجًا مُفْحَمًا [مُلْزَمًا] وأجاب أصحابنا بأن
القدرة عَلَى الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله وإن صلحت لم يترجح مصدريتها
للضلال عَلَى مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تَعَالَى، وعند ذلك يعود السؤال وهو أن يكون
الإضلال من الله تَعَالَى باعْتبَار أن مرجح مصدرية القدرة للضلال منه تَعَالَى. ثم قال الإمام: الاسْتفْهَام
في (أأنتم أضللتم عبادي) وارد عَلَى سبيل التقريع للمشركين لأنه تَعَالَى كان عالمًا في الأزل بحال
المسئول عنه كما قيل لعيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
وفائدته أن المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال إليهم صار تبرؤهمْ عنهم أشد في
حسرتهم وحيرتهم فوافق جوابهم هذا (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ)
جواب عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) وقال
الطيبي رحمه الله: لما كان السؤال عَلَى التعريض التوبيخي والمقصود تنبيههم وإلزام الحجة عليهم