قوله: (وهو تسلية لرسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ما قالوه بعد نقضه) وهو أي هذا
النظم الجليل تسلية. أي تحميل عَلَى الصبر فإن معناه أنك لست بأوحدي في ذلك فإن
الرسل المتقدمين قد كذبوا وأوذوا حَتَّى [أَتَاهُمْ] نَصْرُنَا بعد نقفه بقَوْلُه تَعَالَى:(تبارك الذي
إن شاء جعل لك خيرًا)الآية.
قوله: (وفيه دليل عَلَى القضاء والقدر) أي في أفعال العباد حيث جعل مثل مناصبة
الْكُفَّار وإيذائهم بجعل الله تَعَالَى وهو عبارة عن القضاء والقدر في الأول. قيل قال ابن
السيد في مثلثاته قدر الله قضاؤه، ومنهم من يفرق بَيْنَهُمَا فيجعل القدر تقديره الأمور قبل أن
تقع والقضاء إنفاذ ذلك القدر بخروجه من العدم، وهو الصحيح لما في الْحَديث من أنه عليه
السلام مر بحائط مائل فأسرع مشيه حتى جاوزه فقيل أتفر من قضاء الله؟ فقال أفر من قضاء
الله إلَى قدره انتهى. قال المص في سورة البقرة أطلق القضاء عَلَى تعلق الإرادة الْإلَهيَّة
لوجود الشيء من حيث إنه يوجبه والظَّاهر أن مراده التعلق الأزلي ويؤيده ما قيل.
والقضاء عند الأشاعرة هُوَ إرادة الله تَعَالَى الأَزَليَّة المتعلقة بالأشياء عَلَى ما هي عليه فيما لا
يزال، والقدر إيجاده إياها عَلَى قدر مَخْصُوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها. وقيل المبرم
قضاء وغيره قدر. والأوضح أن القدر أي التقدير تحديد كل مخلوق بعده الذي يوجد فيه
من حسن وقبح ونفع وضر وغير ذلك واستوضح بتصوير النقاش الصورة في ذهنه، وهذا
نظير التقدير ثم نقشه عَلَى وفق تصويره نظير القضاء، ولهذا المقام تفصيل في أوائل شرح
المشكاة لعلي القاري. ومراده رد المعتزلة فإنهم ينكرون القضاء والقدر في الأفعال
الاختيارية الصادرة عن العباد ويثبتون علمه تَعَالَى هذه الأفعال ولا يسندون وجوده إلَى ذلك
العلم بل إلَى اختيار العباد وقدرتهم فأَشَارَ إلَى أن هذه الآية حجة عليهم فمن قال إنه لا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ما قالوه بعد نقضه. أي بعد نقض ما قالوه بقوله:(وما
أرسلنا قبلك)الآية. وفي الكَشَّاف: وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه
واستبدعوه، من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل، يقول: وجرت
عادتى وموجب حكمتى على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض. والمعنى: أنه [ابتلى] المرسلين بالمرسل
إليهم، وبمناصبتهم لهم العداوة، وأقاويلهم الخارجة عن حدّ الإنصاف، وأنواع أذاهم، وطلب منهم
الصبر الجميل، ونحوه(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
قوله: وفيه دليل عَلَى القضاء والقدر. وجه الدلالة أنه إخبار بالْمَاضي فإنه يدل عَلَى أن
الابتلاء قد كان وقدر في علمه الأزلي وقضائه [قبل أن] يخلقوا. قوله: والْمَعْنَى: وجعلنا بعضكم
لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر والعلم مجاز في التمييز وإلا فالله تَعَالَى عالم بمن يصبر ومن لا يصبر
فالْمَعْنَى لتمييز الصابر عن غير الصابر .