قوله:(حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما
سدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم مَحْذُوف)ما سدت أي منعت دونه
أي عنده مطامح النفوس الخ. أي ارتفاع أبصار النفوس أو طلبهم وهو رؤية الله تَعَالَى أو
رؤية الملك بصورته أو كلاهما واللام. أي في لقد جواب الخ. والْمَعْنَى والله لقد استكبروا أو
باللَّه لقد استكبروا التَّأْكيد مضمون ما ذكر وتحقيقه.
قوله: (وفي الاسْتئْنَاف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم) وفي
الاسْتئْنَاف أي الاسْتئْنَاف النحوي أو البياني جواب عن سؤال ما شأنهم في ذلك فأجيب باللَّه لقد
استكبروا بالْجُمْلَة. أي جملة لقد استكبروا حسن أي حسن عظيم بالغ غايته لأنه لما ذكر فيما قبله
أمر عظيم يقتضي إنكاره والاستغراب منه وعدل عن مقتضى الظَّاهر حتى كأنه لم يتمالك أن
يقول هذا عند قولهم ذلك فذكر شناعة فعلهم مؤكدة بالقسم فأفاد التعجب لوقوعه في مَوْضع
يقع في مثله التعجب، ولهذا قال وإشعار بالتعجب بشهادة الذوق، وعن هذا قال صاحب الكَشَّاف
وفي فحوى هذا الْفعْل دليل عَلَى التعجب من غير لفظ تعجب ألا ترى أن الْمَعْنَى ما أشد
استكبارهم وما أكبر عتوهم. وإلى هذا التَّفْصيل أشار المص بقوله وإشعار بالتعجب الخ.
قوله:(كقوله:
وَجَارَةُ جَسَّاسٍ أَبأنا بِنَابِهَا ... كُلَيْبًا غلَتْ نَاب كليب بواؤها)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية. المطامح جمع مطمح
بمعنى الطموح من طمح بصره إلَى الشيء. أي ارتفع وكل مرتفع طامح.
قوله: واللام جواب قسم مَحْذُوف، مثل وعزتي فهذه هي اللام المسماة بالموطئة للقسم.
قوله: وفي الاسْتئْنَاف بالْجُمْلَة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم. أي قوله:(لقد
استكبروا في أنفسهم)جملة اسْتئْنَافية قسمية تستدعي أن يتلقى بها من يبالغ
في الإنكار كأنه لما قَالُوا (لولا أنزل علينا الْمَلَائكَة أو نرى ربنا) حمل هذا الْقَوْل السامع عَلَى أن
يقول ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم. لأن هذه الْجُمْلَة اشتملت عَلَى أمر يقتضي التعجب
منه فلا يتمالك أن يترك هذا الْقَوْل عند قولهم ذلك، فوضعت هذه الْجُمْلَة مَوْضع ما أشد
استكبارهم وما أكبر عتوهم.
قوله: (كقوله: وَجَارَةُ جَسَّاسٍ. البيت وجساس هو قاتل كليب وجارته بسوس وهي امرأة والناب
ناقة بسوس رماها كليب فقتلها فشكت بسوس إلَى جساس فقال لأقتلن غدًا فحلًا هُوَ أعظم من
ناقتك فبلغ ذلك الخبر كليبًا فظن أنه فحله وكان جساس يعني بالْفحل نفس كليب كذا ذكره
الميداني أَبأنا أي قتلنا من البوء وهو التساوي في القصاص وإباءته بفلان إذا قتلته به والبوء في
القود مهموز أي: ما أغلى نابًا بَوَاؤُهَا كُلَيْبٌ. وحاصل الْمَعْنَى أنا قتلنا كليبًا الذى هُوَ من الأشراف
مكان ناقة بسوس التي قتلها هُوَ وجعلناه كفوا لها في القتل فما [أغلى] ناقة يكون كُلَيْبٌ مع شرفه
كفؤاً لها. وجه الاستشهاد به أن قوله غَلَتْ نَابٌ كُلَيْبٌ بَوَاؤُهَا جملة اسْتئْنَافية واقعة لاشتمالها عَلَى
أمر يتعجب منه موقع فعل التعجب لأنها وضعت مَوْضع ما أغلى نابًا بَوَاؤُهَا كليب كما أن قوله
تَعَالَى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) جملة مُسْتَأْنَفَة وضعت من
حيث إنها مشتملة لما يتعجب منه موضح ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم.