قوله: (وقيل فقد قصرتم في العبادة من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه) . وقيل فقد
قصرتم في الْعبَادَة وهذا هُوَ الملائم لكون الخطاب للْمُؤْمنينَ لكن مرضه لعدم شهرة
التَّكْذيب في هذا الْمَعْنَى من قولهم كذب القتال الخ. الظَّاهر أنه من التفعيل عَلَى أنه لازم
كما في النظم والْمُتَبَادَر أنه معنى حقيقي له لكنه غير مشتهر .
قوله: (وَقُرئَ «فقد كذب الكافرون» أي الكافرون منكم) كأنه أنكر إلَى ربط الْكَلَام بما
قبله فاعتبر منكم في النظم الكريم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ «فقد كذب الكافرون» [أي الكافرون] منكم؛ لأن توجه الخطاب إلَى النَّاس عامة بما وجد في
جنسهم من الْعبَادَة والتَّكْذيب لما كانت هذه القراءة وهي قراءة فقد كذب الكافرون منكم مخالفة
ظاهرًا لقراءة كذبتم لإيجاب قراءة كذبتم تَكْذيب جميع النَّاس عَلَى تقدير عموم الخطاب وإيجاب
قراءة فقد كذب الكافرون منكم تَكْذيب بعض دون بعض، أول رحمه الله آية العموم وهي كذبتم
تلفيقًا بين القراءتين بأن الخطاب في كذبتم إلَى النَّاس عامة ولا يلزم من كون النَّاس مخاطبين به
صدور التَّكْذيب منهم جَميعًا بل يصح أن يكُونُوا مخاطبين بـ كذبتم إذا صدر من بعضهم عبادة ومن
البعض الآخر تَكْذيب كما يصح أن يقال لجماعة قبيلة أنتم قتلتم فلانًا والقاتل واحد منهم، وإنَّمَا
أدرج في توجيه صحة عموم الخطاب بـ كذبتم الْعبَادَة حيث قال بما وجد في جنسهم من الْعبَادَة
والتَّكْذيب، والحال أنه يكفي في تصحيح عموم الخطاب أن يقال لأن توجه الخطاب عامة بما وجد
في جنسهم من التَّكْذيب لأن المخاطبين بـ (ما يعبأ بكم لولا دعاؤكم) وبما كذبتم واحد وهم النَّاس
جَميعًا فأوجب الخطاب بـ ما يعبأ بكم لولا دعاؤكم وبما كذبتم الْعبَادَة للمخاطبين لأن لولا انتفاء
الثاني لوجود الأول لأن التقدير لولا دعاؤكمْ ما يعبأ بكم ربي ومعناه يعبأ بكم ربي لدعائكم أي
لعبادتكم وأوجب الخطاب بكذبتم التَّكْذيب لهم فلما وجد من بعض النَّاس عبادة ومن بعضهم
تَكْذيب خوطب النَّاس جَميعًا بهذين الخطابين لما وجد في جنسهم من الْعبَادَة والتَّكْذيب. قال
صاحب الفرائد: أصل الْكَلَام لولا دعاؤكمْ. أي عبادتكم لم [يعبأ] بكم لكن لم تكن عبادتكم لأنه
أرسل الرَّسُول إليكم فكذبتموه فلم يعبأ بكم فقوله (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) واقع موقع لم يعبأ بكم
والنظم يساعد هذا التأويل لأن هذه السُّورَة الكريمة عَلَى ما سيق مشتملة عَلَى بيان عناد كفار قريش
وتَكْذيبهم آيات الله وتسميتهم الْقُرْآن بأساطير الأولين وطعنهم في الرَّسُول بقولهم(مَالِ هَذَا الرَّسُولِ
يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)وأمَّا ذكر الْمُؤْمنينَ فتعريض بهم إلَى هنا كلامه، فعلى هذا التأويل
لا يكون الخطاب في ما يعبأ بكم وفي كذبتكم خطابا عامًا لجميع النَّاس كما ذهب إليه صاحب
الكَشَّاف والقاضي رحمهما الله بل يكون لكفار قولى خاصة كما قال محيي السنة في المعالم في
تفسير (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) ما يفعل بعذابكم لولا شرككم أي دعاؤكم الآلهة كما
قال (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) . وقيل فقد كذبتم أيها الكافرون فخاطب أهل مكة يعني
أن الله تَعَالَى دعاكم بالرَّسُول إلَى توحيده وعبادته فكذبتم الرَّسُول ولم تجيبوه. وقال الطيبي: رحمه
الله في جعل الخطاب عامًا لجميع النَّاس ما أبعد هذا التأويل كَيْفَ يتصور أن يدخل الأنبياء
والصالحون من التابعين في خطاب (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ [لِزَامًا] ) فالوجه أن يكون الخطاب
موجهًا إلَى قريش لا سيما واللزام مفسر بيوم بدر، وقال ثم إن هذه الخاتمة ناظرة إلَى الْفَاتحَة أي
(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الْمَعْنَى قد أنذر وبالغ