وكراهة قراءتها في أول السُّورَة عند ضمها بالْفَاتحَة يؤيد الظن الْمَذْكُور فالظن الْمَذْكُور
بملاحظة ما ذكرنا ومراده أن عدم النص له مدخل في ذلك لا أنه مستقل فيه فالفاء في فظن
للسببية وحملها عَلَى التفريع خلاف مذاق الْكَلَام قال المحقق في شرح التلخيص، وأما قوله
تَعَالَى: (قل لعبادي الَّذينَ آمَنُوا يقيموا الصلاة) فلأن الشرط لا يلزم أن
يكون علة لحصول الْجَزَاء بل يكفي في ذلك توقف الْجَزَاء عليه وإن كان متوقفًا عَلَى شيء
آخر نحو إن توضأت صحت صلواتك انتهى. ولا ربب في مدخلية عدم النص في ذلك الظن
أَلَا [تَرَى] أنهم كثيرًا ما ينفون الحكم بعدم النقل ويقولون لو كان كذا النقل إلينا لكن لم ينقل
فلا يكون كذا ولعل هذا مراد من قَالَ إن عدم تنصيصه شيء منهما مع كونه من أهل الكوفة
القائلين بكونها من الْفَاتحَة سبب لهذا الظن انتهى. ولأرباب الحواشي مقالات في حله
يتعجب منه الناظرون ويتجر منه الماهرون فإن منهم من تمسك بمفهوم المخالفة بأنه
مذهب المص ومعتبر في عبارات المصنفين مع أنه مختص بالألفاظ ولا كلام من الإمام هنا
قوله: ولم ينص حكاية سكوته عن بيان حكمه ومنهم من تصدى للشرح والجرح والْإجْمَاع
السكوتي حاله كذا ومنهم من جعل فظن مرفوعًا خبرًا عن أن في قوله إنها ليست من
السُّورَة وقد مَرَّ البيان أن عدم نص الإمام في كونها جزءا من الْفَاتحَة ولا في سائر السور لا
في قرآنيتها فلا إشكال أصلًا بل لا نعرف وجه إنكار قدماء الْحَنَفيَّة قرآنيتها مع قول الإمام
مُحَمَّد ما بين الدفتين كلام الله.
قوله: (وسئل مُحَمَّد بن الحسن عنها فقال ما بين الدفتين كلام الله تَعَالَى) الدف والدفة
بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء الجنب من كل شيء ودفتا المصحف جانبا جلده المشتمل
عليه. والْمَعْنَى ما بين دفتي المصحف عَلَى أن اللام للعهد لشهرته بين الأنام أو عوض عن
الْمُضَاف إليه، والْمُرَاد بالمصحف مصحف عثمان - رضي الله تَعَالَى عنه - وهو المسمى بالأم وما
يستنسخ منه، والْمُرَاد بكلام الله تَعَالَى اللفظي المؤلف من السور والآيات قال العلامة المازاني
في شرح العقائد التحقيق أن كلام الله تَعَالَى اسم مشترك بين الْكَلَام النفسي القديم ومعنى
الْإضَافَة كونه صفة للَّه تَعَالَى وبين اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات ومعنى الْإضَافَة
أنه مخلوق الله تَعَالَى لَيسَ من تأليفات المخلوقين انتهى. ولما قال مُحَمَّد هذا وفهم منه كونه
قرآنًا قيل له لمَ تسر بها ولم يجب إشَارَة إلَى أنه أمر تعبدي لا يَنْبَغي الخوض فيه كما قيل أو
لقوة الشبهة في قرآنيتها في أوائل السُّورَة أو ليعلم أنها ليست بآية من أول الْفَاتحَة فإن المتعين
في حق الإمام الجهر بالْفَاتحَة والسُّورَة في الأوليين دون الأخريين وما سوى الْفَاتحَة والسُّورَة
لم يجهر بها تفرقة بين ما ثبت قرآنية قطعا ويكفر جاحده جزمًا وبين ما ثبت الشبهة القوية في
قرآنيتها من الأئمة تأويلًا وهذا أولى مما قيل إنها ألحقت بالأذكار والأصل فيها استحباب
الإسرار فإنه يورث دهشة لأولي الأبصار.