جائز نظرًا إلَى ظَاهر قوله إذا صادفته بصيغَة الخطاب بل هُوَ حسن وصيغة الغائب في صدر
الْكَلَام جائز نظرًا إلَى الْمَعْنَى؛ إذ الخطاب في مثل قوله إذا صادفته لغير معين فيكون في
الْمَعْنَى كالغائب كأنه قيل يقال أي يقول أحد لقيته أو لاقيته إذا صادف شخصًا آخر ولا
ريب في حسن هذا وكذا في حسن ما يقوم مقامه والنظر إلَى الْمَعْنَى شائع في كلام البلغاء
.فإن قيل الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب لا لكونه في حكم الغائب؟ قلنا معنى ليعم كل
مخاطب ليعم كل من شأنه أن يخاطب فيكون في حكم الغائب قيل، ولما كان الشرط
والْجَزَاء متغايرين تغاير السبب والمسبب جعلوا الْقَوْل جوابا دون المقول لإيجاده به مع
عدم صحته (وإذا استقبلته) لقيته بفتح التاء في الأول وضمها في الثاني كما لا يصح إذا
استقبلته أنت لقول غيرك لقيته أنا فإذا فتحنا صح بتقدير إذا استقبلته بقول غيرك إنك لقيته
أنت وفي قول الزَّمَخْشَريّ ينال لقيته ولاقيته إشَارَة إلَى أن المفاعلة فيه لأصل الْفعْل(ومنه
ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته).
قوله: (بحَيْثُ يلقى) أي بحَيْثُ يدرك ويستقبل ليرى أو بحَيْثُ يلقى بغتة بلا اختيار وهذا
توضيح ما قيل بصيغَة المجهول أي بلقاء غيرك. نقل عن الرَّاغب أنه قال الإلقاء طرح الشيء
حيث يلقى ثم صار في التعارف اسمًا لكل طرح قال تَعَالَى: (ألقها يا مُوسَى)
قوله: ثم صار إشَارَة إلَى أن مطلق الطرح حَقيقَة عرفية وإن كان مَجَازًا مرسلًا بالنظر إلَى
أصل اللغة فإن الشيء كثيرًا ما يطرح ولا يكون بحَيْثُ يلقى كالمطروح في البحر بحيث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنك بطرحه جعلته بحَيْثُ يلقى يعني جمع اسْتعْمَالات لقي دائر عَلَى معنى المصادفة
والاسْتقْبَال ومعنى الآية. وإذا [صادفوا] الْمُؤْمنينَ واستقبلوهم قَالُوا آمَنَّا وإن قيل إثباتهم الإيمان لأنفسهم في
هذه الآية. لقولهم (آمَنَّا) يناقض نفيه عنهم بهمزة الإنكار في قولهم (أنؤمن)
وهذا النفي والْإثْبَات كلاهما في وقت الملاقاة للْمُؤْمنينَ فَكَيْفَ التلفيق بَيْنَهُمَا أجيب بأن القائل الآمر
بالإيمان إن كان بعض الْمُنَافقينَ بأن يأمر بعضهم بعضًا بالإيمان كما ذكره بعض الْمُفَسّرينَ فلا إشكال وإن
كان الأمر بالإيمان الْمُؤْمنينَ بأن يقولوا للْمُنَافقينَ آمنوا كما آمن النَّاس يجب أن يكون قولهم(أنؤمن كما
آمن السفهاء)مقولًا فيما بينهم لا مقولا في وجوه الْمُؤْمنينَ مشافهة كيلا يكُونُوا مجاهرين
بالكفر لا منافقين، فعلى هذا لا يكون الإنكار بالهمزة وقت ملاقاة الْمُؤْمنينَ فلا مناقضة لعدم الاتحاد في
الزمان هكذا قَالُوا وأقول فيه نظر لأن إذا ظرف لقَالُوا فيكون الْجَوَاب مقيدًا بكونه في وقت قول الْمُؤْمنينَ
لهم آمنوا وهذا الوقت وقت ملاقاة الْمُؤْمنينَ فيجب أن يقع الْجَوَاب بالإنكار في ذلك الوقت فكأنه قيل وإذا
لاقوهم وقَالُوا آمنوا قابلوهم بالإنكار يؤيده قول صاحب الكَشَّاف أتوهم في النصيحة من وَجْهَيْن فكان من
جوابهم أن سفهوهم فإن جواب النصيحة إنما يكون في مشافهة الناصح فالحق في جواب الإشكال أن يقال
قولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) صريحًا في سلب الإيمان عن أنفسهم؛ إذ يمكن أن يقولوا
مرادنا بقولنا هذا أنا لا نؤمن كما آمن العوام من النَّاس بل نؤمن كما آمن الخواص وإن كان هذا التأويل
منهم عَلَى وجه النفاق أَيْضًا، فعلى هذا لا يكونون في قولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)
مجهرين بالكفر حتى يخرجوا من عداد الْمُنَافقينَ فلا ينافي قولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)
قولهم (آمَنَّا) وقت ملاقاتهم الْمُؤْمنينَ لإثبات كل من هذين الْقَوْلين الإيمان لأنفسهم نفاقًا
غايته أن في الوصف بالسفه تعريضًا للْمُؤْمنينَ الخلص بأنهم السفهاء.