معكم إما عَلَى دينكم الْيَهُودية لا عَلَى دين أُولَئكَ [الْمُسْلمينَ] ، وإنَّمَا أظهرنا الإيمان للمخادعة
وجلب المنفعة ودفع المضرة وليس (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ) بمعناه حتى يكون
تأكيدًا لهذا الْمَعْنَى فأشار الشيخان إلَى توجيهه بأن الثاني باعْتبَار لازمه مؤكد للأول ومقرر له
وهو الثبات عَلَى الْيَهُودية باسْتهْزَاء الْإسْلَام والْمُسْلمينَ وذهب صاحب المفتاح إلَى عكسه
حيث قال معنى (إنا معكم) إنا معكم قلوبًا إنا توهم أهل الْإسْلَام الإيمان
فيكون هذا الاسْتهْزَاء بهم وبدين الْإسْلَام فاعتبر لازم الأول فيكون الثاني بمَنْطُوقه مقرر لذلك
اللازم وما اعتبره الشيخان أحسن. أما أولًا فلأن الاحتياج إلَى التأويل إنما يظهر بعد ذكر الثاني
فارْتكَابه قبل الحاجة كنزع الخف قبل وصول الماء. وأما ثانيًا فلأنه إنما يؤكد الْكَلَام الْمَذْكُور
لا لازمه وإن جاز أن بعد التَّأْكيد للازمه تأكيدًا له فاعتبار اللازم في المؤكد واعتبار المَنْطُوق
في المؤكَد بفتح الكاف أولى من عكسه وفيه نوع تأمل والوجه الأول هُوَ المعول عليه ولو
أُريد المَنْطُوق واللازم في الجانبين فجعل المَنْطُوق تأكيدًا للمفهوم اللازم واللازم تأكيدًا
للمَنْطُوق لكان أبلغ في تحقيق المقام، وإنَّمَا قَالُوا (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ)
بالقصر مع تركهم في الأول للتنبيه عَلَى أنهم مقصورون عَلَى استهزائهم بهم لا يتجاوزون إلَى
تعظيمهم باتباع دينهم. قلنا فيكون كالدليل لما قبله كما أشار إليه لقوله إن المستهزئ بالشيء
الخ. فإنه كبرى للمقدمة المطوية، وإنَّمَا لم يذكروا الْمَفْعُول لادعاء ظهوره عَلَى زعمهم حتى
إذا ذكر الاسْتهْزَاء مطلقًا لا يتبادر الذهن إلا إليهم وذلك الْمَفْعُول هُوَ الْإسْلَام وسيجيء
الإشَارَة إليه واختيار إنما لادعاء أن هذا الحكم مما يعلمه المخاطب بأدنى التفات.
قوله: (المستخف به مصرّ عَلَى خلافه) لأن المستخف به منكر له غير معتد به ودفع
نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم ارتفاع النقيضين وفيه تأمل؛ إذ الكفر ليس بنقيض الْإسْلَام
بل هُوَ إما ضد أو تقابل العدم والملكة فارتفاعهما [جائز] وإن لم يجتمعا ولهذا قال
الْمُصَنّف مصرّ عَلَى خلافه ولم يقل مصرّ عَلَى ضده أو نقيضه، إلا أن يقال الْكَلَام في
الْمُنَافقينَ فإذا استخفوا بالْإسْلَام يلزم إصرارهم عَلَى الْيَهُودية.
قوله: (أو بدل منه) وللنحاة في إبدال الْجُمْلَة من الْجُمْلَة اخْتلَاف كما نقل ابن
الصايغ ولم يلتفت إليه الْمُصَنّف لضعفه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أو بدل منه وهذا مبني عَلَى أن يقصد بـ إنا معكم عَلَى الكناية أَيْضًا إنا مصاحبوكم في
دينكم لا نفارقكم إلَى جيرانكم لأن من توخى تعظيم الشيء لا يفارقه [وح] يستقيم بيانه وتفسيره
بقوله (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ) فإن فَائدَة البدل البيان والتَّفْسير للمبدل منه وجه كونه
مفسرًا له أن من وضع مقدار عدوه وحقر شأنه فقد عظم قدر وليه ويكون قوله: (إنا معكم)
كالتوطئة لذكر ما يرد بعده من جملة (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ) كما هو