المَوْضع مجتمع النَّاس للسقي واشتغال النَّاس بالسقي الذي هُوَ المقصود من الاجتماع
ومنعهما عن السقي مع كون السقي مرادًا لهما بل السقي أولًا مقصودًا لهما حيث خلصتا
أنفسهما عن مخالطة الرجال وكونهما منظرين لهم، ولما كان الأمر خلافه كان سبب مرحمة
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مجرد سقي النَّاس وذودهما بدون مدخلية الْمَفْعُول المعين. قوله عَلَى
عفتهما يدل عَلَى ما ذكرناه لأن الصّفَة تقتضي تعجيل الذهاب عن مجتمع الرجال مع أنهما
أخرا ولم تفارقا عن مجلسهم، وفهم عَلَيْهِ السَّلَامُ اضطرابهم بالقرينة الحالية التي هي أقوى
من القرينة الْقَوْلية فبعث كمال الترحم إلَى التَّكَلُّم مع الأجنبية والسقي لهما عَلَى أن التَّكَلُّم
مع الأجنبية الشابة ربما يساعد حين الأمن لا سيما عند الحاجة مع أن التَّكَلُّم معها يجوز أن
يكون مشروعًا في هذا الوقت فلا يرد ما أورده [شارحَا] المفتاح السعد والشريف حيث قالا
وما اختاره صاحب المفتاح أدق وأحسن وادعى الشريف فساد الْمَعْنَى بدونه، ولا يظهر وجهه
بل الْمَعْنَى أحسن براعة عَلَى ما قررنا مراد الشَّيْخَيْن، أَلَا [تَرَى] أن قولنا فلان يعطي أي يفعل
الإعطاء وفلان لا يعطي أي لا يفعل الإعطاء كانت في المدح والذم بلا ملاحظة المعطى
درهمًا أو دينارًا أو غير ذلك، وكذا يكفي بيان فعل السقي والذود في كونه باعث الترحم
على أن المسقي والمذود هنا والمعطى هناك مفهوم في الْجُمْلَة ؛ إذ لا يتصور السقي والذود
ذهنًا وخارجًا بدون المسقي والمذود كما في الإعطاء فلا التباس ولا فساد، وأما ما قاله
قدس سره، أَلَا [تَرَى] أنهما لو كانتا تذودان مواشيهم وكانوا يسقون غنمهما لم يصح الترحم
فلا يصح أن يقال إن ترحمه كان لأجل أنهما كانتا عَلَى الذود والنَّاس عَلَى السقي فمع بُعده
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لانصباب الْكَلَام إلَى إرادة يسقون مواشيهم الخ. قلنا نعم لأن صاحب المفتاح نظر إلَى جانب اللَّفْظ
وإن ترك المفعول لصون الْكَلَام عن العبث وتعاضد قرائن الأحوال الدَّالَّة عَلَى المتروك وصاحب
الكَشَّاف نظر إلَى جانب الْمَعْنَى وأن الْمَفْعُول مرفوض غير ملتفت إليه وَلكُلٍّ وجْهَةٌ. فإن قيل فعلى
هذا يكون من تنزيل الْفعْل المتعدي منزلة اللازم إيهامًا للمُبَالَغَة فأين المُبَالَغَة؟ قلنا هُوَ وهمٌ بعيد لأن
معنى قوله لأن الغرض هُوَ الْفعْل لا الْمَفْعُول أنهم قد يقصدون في الْكَلَام المحتوي عَلَى معانٍ إلَى
معنى منها قصدًا أوليًا ويوهمون أن ما سواه مطرح، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْله في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:
(فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) ترك الْمَفْعُول به لأن الغرض المعزز به، وإذا كان الْكَلَام منصبًا إلَى
غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كان ما سواه مرفوض مطرح. فإن قيل جوابهما لا
يطابق ظاهرًا لسؤال مُوسَى لأنه عليه السَّلام سألهما عن شأنهما ومطلوبهما وكان ظَاهر الْجَوَاب أن
تقولا شأننا أننا نريد السقي ولا قدرة لنا عليه من المزاحمة وهما لم تجيبا بهذا الْجَوَاب الظَّاهر
وعدلتا عنه إلَى بيان سبب الذود وترك السقي لأن معنى جوابهما أن سبب ذودنا ضعفنا وعجزنا
وعجز متولي أمرنا وهو أبونا فما وجهه؟ أجيب بأن الْمُرَاد بقوله فما خطبكما ما سبب ذودكما وإنما
عدل عَلَيْهِ السَّلَامُ عن السؤال الظَّاهر إلَى قَوْله: (ما خطبكما) أي ما مخطوبكما
ومطلوبكما من الذياد لأن مقصود نبي الله من قوله (ما خطبكما) ما سبب ذودكما الذياد أن يجاب
بطلب المعونة فيه لكرمه ورحمته عَلَى الضعفاء، ولما كانتا من بيت النبوة حملتا قوله عَلَى ما يجاب
عنه بالسبب وفي ضمنه طلب المعونة لأن إظهارهما العجز ليس إلا لذلك .