الْحكْمَة الأصلية والعلم الحقيقي هُوَ العمل بهما وعبادة الله تَعَالَى حيث فسر إيتاء الْحكْمَة
بالبعث عَلَى الشكر انتهى. اختار كونه تفسير الإيتاء الْحكْمَة لا نفس الْحكْمَة ؛ إذ الأمر
بالشكر يناسب إيتاء الْحكْمَة لا نفسها. وأَشَارَ إلَى كونه تفسيرا باعْتبَار أنه مقصود من العلم
والْحكْمَة فيكون تفسيرًا باللازم، ولتكلفه لم يرض به الْمُصَنّف ورجح المصدرية وإن
اضمحل معنى الأمر .
قوله:(وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأن نفعه عائد إليها وهو دوام
النعمة واستحقاق مزيدها) (وَمَنْ يَشْكُرْ) أي ومن يشكر الله فإنما يشكره
لنفسه فقط، ولذا قال الْمُصَنّف لأن نفعه الخ. ولو أَشَارَ إلَى الحصر بأن يقول لأن نفعه عائد
إليها فقط لكان أولى. [وهذه] جملة ابتدائية مسوقة لتقرير الأمر بالشكر حيث يوجب الامتثال
بالأمر ببيان أن الشكر يستوجب المزيد والنفع المديد .
قوله: (ومن كفر) من كفران النعمة جزاؤه مَحْذُوف بقرينة ما قبله
أي ومن كفر ولم يشكر فإنما يكفر لنفسه ؛ إذ ضرره مقصور عليها .
قوله: (فإنَّ اللَّهَ غني) علة الْجَزَاء القائمة مقامه متضمن لعلة انحصار
نفع الشكر عَلَى نفس الشاكر .
قوله: (لا يحتاج إلَى الشكر) رمز إليه .
قوله: (حقيق بالحمد وإن لم يحمدوا) أوله به لقوله وإن لم يحمدوا أي بالْفعْل لأنه
مولى النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها، وهذا معنى مجازي لـ حميد بمعنى
المحمود بعلاقة السببية ؛ إذ كونه محمودًا في نفس الأمر إنما هُوَ بكونه لائقا به فذكر المسبب
وأريد السبب بقرينة ذكره في حيز: (ومن كفر) الآية.
قوله: (أو محمود [ينطق] بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال) أَشَارَ إلَى أن فعيلًا
بمعنى الْمَفْعُول فيكون [حِينَئِذٍ] اسْتعَارَة تبعية بأن شبه دلالة جميع المخلوقات عَلَى صفات
الْكَمَال بالوصف بالجميل عَلَى جهة التعظيم والتبجيل فأطلق الحمد الموضوع للوصف
الْمَذْكُور عَلَى تلك الدلالة لمشابهتها به في إظهار صفات الْكَمَال ثم اشتق من الحمد
المُسْتَعَار لتلك الدلالة حميد بمعنى المحمود فعلم منه أن الْمُرَاد بالشكر الْمَعْنَى اللغوي
المرادف للحمد العرفي أو الأخص منه مع كون الْمُرَاد الوصف باللسان في مقابلة الإحسان
وهو مادة اجتماع الحمد اللغوي والعرفي، وهذا الحمد من شعب الشكر أشيع للنعمة وأدل
على مكانها فلذا جعل رأس الشكر فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"الحمد رأس الشكر ما شكر الله من"
لم يحمده"كَمَا صَرَّحَ به المص في أوائل سورة الْفَاتحَة، ولذا قَالَ تَعَالَى في ختم الآية"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو دوام النعمة. أي نفع الشكر دوام النعمة لأن الكفران بها مسلبة لها. قوله
واستحقاق مزيدها لأن الشكر عَلَى النعيم العتيد مستجلب للمزيد عَلَى ما قال:(لئن شكرتم
لأُزيدنكم).