من كثرة الْعبَادَة ولذا ردت أم الْمُؤْمنينَ بأن قالت: كان عمر سيد الخ. أي لو كان من الزهاد
حَقيقَة لأظهر الجلادة والْقُوَّة [إخفاء] لحاله اكتفاء بعلم مولاه .
قوله: (وَقُرئَ بقطع الهمزة من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية) تسديد
السهم توجيه نحو الغرض ليصيبه لكن الْمُرَاد هنا اسْتعَارَة تمثيلية. قوله نحو الرمية بتشديد
الياء المرمية مجاز أولي النحو بمعنى الجانب لما نهى عن المشي فرحًا أمره بالوقار في
المشي احترازا عن الذل كما أن النهي احتراز عن الترفع المذموم فبَيْنَهُمَا مناسبة تامة وأما
قوله: (واغضض من صوتك) فارتباطه بما قبله لأنه يذهب بهاء الْمُؤْمن
ووقاره كسرعة المشي فأمر بالغض كما أمر بالقصد في المشي .
قوله: (وانقص منه وأقصر) اجعله قصيرًا بحَيْثُ لا يخل السماع فإنه أَيْضًا مذموم وفي
المآل الأمر بالقصد في الصوت فلو قيل: واقصد في مشيك وفي صوتك فإن إفراطهما يخل
الوقار وتفريطهما يخل المقصود لكفى لكن لما كان كل منهما مقصودًا عَلَى حياله اخْتيرَ ما
في النظم مع التفنن لفظة من؛ لأن الغض متعد بمن كما نقل عن الْجَوْهَريّ لكن الشيخين
أَشَارَ إلَى أن الغض مجاز عن النقصان والقصر والنقصان متعد بـ من وعلى التقديرين لا يلزم
كون (من) زائدة في الْإثْبَات، والْمُرَاد عدم شدة الجهر والخفاء مَجَازًا ؛ إذ الغض مستعمل في
البصر حَقيقَة قال تَعَالَى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) الآية.
قوله: (أوحشها) أي أقبحها كما يقال في العرف للقبيح وحش لعدم الإلفة وضده
الأنس والإلفة فهو كناية ؛ إذ يلزم للإنكار الوحشة .
قوله: (أي الحمار مثل في الذم سيما نهاقه ولذلك يكنى عنه فيقال طويل الأذنين) أي
الحمار مثل في الذم أي يضرب به المثل في أمور مذمومة كالبلادة حيث يقال للبليد حمار
ولصوت القبيح صوت الحمار. قوله سيما نُهاقه بضم النون صوته ولذلك يكنى أي لكونه
مثلًا في الذم واشتهاره به يكنى عنه ولم يصرح به كما يقال طويل الأذنين في مقام الْقَوْل
بالحمار لتوحشهم وتنفرهم عن ذكر الحمار كما يكنى عن الأشياء المستقذرة لأن عادة
العظماء من العرب العرباء الكناية عَمَّا يستقبح ويعدون من إساءة الأدب أن يجري ذكر
المستقبح في مجلس ذوي المروءة ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وانقص منه وأقصر. هُوَ من قولهم: فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه ومعنى
قصر به نسبه إلَى التقصير. قال الطيبي: الباء علم الْمَجَاز لأن الْمَجَاز يكون بالزّيَادَة كما يكون
بالنقصان والأصل قصره ووضع منه أي حط من درجته والتواضع التذلل وهو من الوضع الذي
خلاف الرفع والأصل وضعه وحرف الجر علم الْمَجَاز. وفي الأساس: ووضع منه غض منه ونقص
يقال عليك في هذا غضاضة. أي نقص وعيب وفلان غضيض أي ذليل بين الغضاضة. وقال الراغب:
الغض النقصان من [الطرْف] والصوت وما في الإناء يقال غض وأغض قال الله عز وجل:(قُلْ
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)وقال: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) .
وغضضت الإناء نقصت بما فيه، والغض الطري الذي لم يطل مكثه .