قوله: (وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الإِستعارة مبالغة شديدة)
وفي تمثيل الصوت المرتفع أشد الارتفاع بصوت الحمار. قوله وإخراجه مخرج الاسْتعَارَة
أي الاسْتعَارَة التمثيلية حيث ترك المشبه وهو الصوت المرتفع بشدة الجهر وأداة التشبيه بل
نسي التشبه؛ إذ الاسْتعَارَة بناء عَلَى تناسي التشبيه بالكلية وجعل المشبه من أفراد المشبه به
ادعاء ولو لم تكن المُبَالَغَة مرادة لقيل إن أنكر الأصوات صوت مرتفع كصوت الحمار في
التنفر والتوحش منه ويفهم منه تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير وتشبيه أصواتهم بالنهاق
وفيه مبالغة ثم أخرج الْكَلَام مخرج الاسْتعَارَة لتناسي التشبيه وجعله من أفراد الحمير. وفيه
مُبَالَغَة شديدة ولذا قال الْمُصَنّف مُبَالَغَة شديدة. قال الطيبي: إنه إشَارَة إلَى أن قوله:(إن أنكر
الأصوات)الخ. تعليل للأمر بالغض عَلَى الاسْتئْنَاف كأنه قيل: لم أغض؟
فأجيب لأنك إذا رفعته كنت بمنزلة الحمار في أخس أحواله وللتنبيه عَلَى كمال قناعته ذكر
الحمير مع أنه قد مَرَّ أنه يكنى عنها ولا يصرح بها.
قوله:(وتوحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكير دون الآحاد أو لأنه
مصدر في الأصل)وتوحيد الصوت مع أن الظَّاهر جمعه لإضَافَته إلَى الجمع لأن الْمُرَاد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الاسْتعَارَة مبالغة شديدة، هُوَ
إشَارَة إلَى أن قوله: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) تعليل للأمر بغض الصوت
على الاسْتئْنَاف كأنه قيل: لم أغض الصوت؟ فأجيب لأنك إذا رفعت صوتك كنت بمنزلة الحمار في
أخس أحواله ثم ترك المشبه وأداة التَّشبيه ووجهه وأخرج المشبه به مخرج الاسْتعَارَة المصرحة
المركبة التمثيلية. وجه المُبَالَغَة في صورة الاسْتعَارَة ظَاهر لأن في الاسْتعَارَة ادعاء أن المشبه هُوَ
نفس المشبه به لا شيء آخر.
قوله: وتوجد الصوت لأن الْمُرَاد تفضيل الجنس في النكير دون الآحاد. يعني أن الحمير جمع
حمار والصوت الْمُضَاف إليها مفرد وهو عرض واحد لا يقوم بمحال كثيرة فمقتضى الظَّاهر أن يقال:
لأصوات الحمير، لكن وجد الصوت لأن الغرض أن هذا الجنس من أجناس الأصوات وهو جنس
صوت الحمار أبلغ في كونه منكرًا وليس الْمُرَاد أن كل واحد من أصوات الحمار كَذَلكَ فإن الْمُرَاد
بالتَّفْضيل المُسْتَفَاد من صيغة أنكر هُوَ تفضيل الجنس في كونه منكرًا لا تفضيل آحاد الجنس. وفي
الكَشَّاف: وإنما الْمُرَاد أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس
صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. قال شراح الكَشَّاف: يريد أن التعريف في الحمير تعريف الماهيَّة
والْحَقيقَة من حيث هي وتمييزها [عن] سائر الحقائق نحو التعريف في قولك: الرجل خير من المرأة. فلا
معنى للجمع، وقال صاحب الفرائد: فعلى هذا ينبغي أن يقال لصوت الحمار. قال الطيبي: في جوابه إن
المقصود من الجمع التتميم والمُبَالَغَة في التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر.
أقول: هذا الْجَوَاب ينافي نكتة توحيد الصوت؛ لأنه مبني عَلَى أن يراد بالصوت الفرد دون
الجنس فيرد عليه أنه كان الأنسب حِينَئِذٍ أن يقال أصوات الحمير عَلَى الجمع.
قوله: أو لأنه مصدر في الأصل، فإنه في الأصل بمعنى التصويت وإصدار الصوت ثم استعمل
اسمًا لهذا العرض الْمَخْصُوص الحاصل بالقرع العنيف أو القلع العنيف.