بكل ما ذكر من أنه ليس لرجل قلبان وليست الأزواج أمهات والأدعياء أبناء، وصيغة البعد
لبعده عن الأذهان والأعيان؛ إذ الْمُرَاد بكل ما ذكر لك ما فهم من الْمَذْكُورات من الْقَوْل بأن
للرجل قلبين والظهار والدعوة بقرينة قَوْلُه تَعَالَى: (قولكم بأفواهكم) قوله
أو إلَى الأخير وهو الدعوة أخّره لأنه تَخْصيص بلا مخصص مع أن صيغة البعد لا يلائمه
وَأَيْضًا ما عدا الأخير أَيْضًا قولهم بأفواههم .
قوله: (لا حَقيقَة له في الأعيان كقول الهاذي. وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) لا حَقيقَة له لمدلول
هذا الْقَوْل في الأعيان أي في نفس الأمر ولا يطابق الواقع فيكون من الأقاويل الكاذبة. وأشار به
إلى أن قَوْلُه تَعَالَى: (بأفواهكم) معناه لا حَقيقَة له لأنه قول ليس في الأعيان
ما يطابقه لا من قبيل القلب في جوفه والسمع بإذنه لأنه تأكيد وتقرير لكون الْمُرَاد الحقيقي دون
المجازي كما مَرَّ في ذكر الجوف نكتة التعرض به وليس هذا أَيْضًا من قبيل(يقولون بأفواههم
ما ليس في قُلُوبهمْ)ولا من قبيل قَوْلُه تَعَالَى:(كبرت كلمة تخرج من
أفواههم)فذكر الأفواه بعد الْقَوْل يجيء بمعانٍ متعددة تناسب المقام فاعتبرها
بحَيْثُ لا يخل المرام. قوله كقول الهاذي من الهذيان بالذال الْمُعْجَمَة، والظَّاهر أن قولهم من
الهذيان فالتشبيه من قبيل تشبيه الفرد بالكلي للتوضيح وإن لم يكن مُتَعَارَفًا .
قوله: (ما له حَقيقَة عينية مطابقة له) أشار له إلَى أن الحق هنا بمعنى الثابت الموجود
مدلوله في نفس الأمر فإنه تَعَالَى جعل لعباده الشرائع وبين لهم الأحكام وما هُوَ الواقع في
نفس الأمر فالحق عدم قلبين لأحد والشرع عدم كون الزوجة إما في الحرمة بالتشبيه
الْمَذْكُور وعدم كون الأجنبي ابنًا في الميراث وغيره فالْقَوْل بخلاف قوله ليس له مستند
شرعي فلا جرم أنه قول ليس له حَقيقَة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
كلها يحب أن نحذر منه سخطه. (حكيم) لا يحب متابعة حبيبه أعداءه وعلل قوله:(واتبع ما يوحى
إليك منْ رَبّكَ)بقوله: (إنَّ اللَّهَ كان بما تعملون خبيرا) تتميمًا
أَيْضًا أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الزائغة لأن الله علم عملك وعملهم فيكافئ
كلًا ما يستحقه وذيل قوله: (وتوكل عَلَى الله) بقوله: (وكفى باللَّه وكيلًا)
تقريرًا وتوكيدًا عَلَى منوال فلان ينطق بالحق، والحق أبلج معنى من حق يكون كافيًا
لكل الأمور حسنًا جميع ما يرجع إليه أن يفوض الأمور إليه ويتوكل عليه وفصل قوله:(ما جعل
الله لرجل من قلبين في جوفه)عَلَى سبيل الاسْتئْنَاف تنبيهًا عَلَى بَعْضٍ من
أباطيلهم وقوله: (ذلكم قولكم بأفواهكم) فذلكة لتلك الأحوال آذنت بأنها
جديرة بأن تحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلًا عن أن يطاع ثم وصل(والله
يقول الحق وهو يَهْدي السبيل)عَلَى هذه الفذلكة بجامع التضاد عَلَى منوال ما
سبق في المجمل في (ولا تطع) ، (واتبع) وفصل قوله:(ادعوهم لآبائهم هُوَ
أقسط عند الله)وقوله: (النبي أولى بالمؤمنين) وهلم جرا
إلى آخر [السورة] تفصيلًا للْقَوْل الحق والهداية إلَى السبيل القويم .