ليقع ما وقع ففطن ففهم لذلك أي لوقوع محبتها في قلبه الشريف ولو لم يكن اختياريًا فأتى
النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عقيب ذلك لظنه أن في التأخير آفة وقال أريد أن أفارق صاحبتي هذا وعد
للفراق لا إنشاء له، ولذا قال النَّبيّ عَلَيْه الصلاة والسلام: ما لك. إلَى أن قال (أمسك) الخ. قوله
أرابك أي أوقعك في ريب أو شك إفعال من راب وكون الهمزة للاستفهام بعيد .
قوله: (في أمرها فلا تطلقها ضرارًا وتعللًا بتكبرها) في أمرها إشَارَة إلَى الأمر
بالتَّقْوَى مع أنه مَوْصُوف بها. قوله فلا تطلقها بيان للأمر بالتَّقْوَى ضرارًا قيده له لأن الطلاق
نفسه ضرار لأنه يورث الوحشة وزوال النعمة، ولا يقال لأنه منهي عنه لأنه ضرار نفس
المطلق والْكَلَام في ضرار المطلقة لكن الاسْتعْمَال شائع في ضرار سرى الطلاق كطول
العدة ونحوها، فالأولى ترك الضرار والاقتصار عَلَى قوله فلا تطلقها تعللًا بشرفها .
قوله: (وتخفي في نفسك) عطف عَلَى تقول الْمُرَاد بالنفس القلب وذكره للتأكيد دفعًا
لتوهم الْمَجَاز مثل أبصرت بعيني والْمُضَارِع في الموضعين لحكاية الحال الْمَاضية .
قوله: (وهو نكاحها إن طلقها أو إرادة طلاقها) وهو نكاحها الخ. وهو الراجح. قوله أو
إرادة طلاقها أخَّره لأنه ضعيف حتى رده القاضي عياض في الشفاء وقال: كَيْفَ يتصور ذلك
منه عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو نفس الحسد المذموم؟!! لكن عند التأمل الصائب يظهر أن إرادة نكاحها
يستلزم إرادة طلاقها ؛ إذ الْكَلَام حال قيام نكاح زيد فإرادة طلاقها بمجرد خطور بأنه بعد
الْإخْبَار بأنه يريد مفارقتها ليست بحسد مذموم، وإنَّمَا يكون كَذَلكَ لو كان تلك الإرادة قبل
إرادة زيد - رضي الله تَعَالَى عنه - طلاقها وبهذا الاعتبار جوز هذا الاحتمال وإن احتاج إلَى
التمحل في المآل. وقيل ويدل أَيْضًا عَلَى عدم صحته أنه لو كان إخفاء عَلَيْهِ السَّلَامُ إرادة
طلاقها لأبدأها الله تَعَالَى فإنه ما يبدل الْقَوْل لديه وفيه نظر .
قوله: (تعييرهم إياك به) أي بنكاحها أي عندهم نكاحًا عارًا عليك تعييرهمْ الخ. بدل
من النَّاس بدل الاشتمال ومتعلق الخوف ذلك لتعيير لا النَّاس ؛ إذ الخوف من الذات خوف
فعل من أفعاله .
قوله: (والله أحق) أفعل التَّفْضيل بمعنى أصل الفعل، فالْمَعْنَى والله وحده حقيق
بالخوف لأنه القادر عَلَى البطش الشديد وحده فالْكَلَام يفيد الحصر .
قوله: (إن كان فيه ما يخشى، والواو للحال) أي الواو الثالثة بقرينة ذكره عقيبه، وأما
الأوليان فعاطفة عَلَى قوله (تقول) ويحتمل الحالية، كَمَا صَرَّحَ به في الكَشَّاف وقدمه وكلامه المص
يحتمله لكنَّه أخَّره وعلى كونهما للحال فالظَّاهر من كلام الشَّيْخَيْن أنه جواز الحالية بدون تقدير
المبتدأ كأنه مختار الزَّمَخْشَريّ، والمشهور بتقدير المبتدأ لكونه مضارعًا مثبتًا فلا يكون الرابطة فيه
الواو عند الْجُمْهُور ثم كون (والله أحق أن تخشاه) حالًا بتأويل مثل جاءني
زيد والشمس طالعة أي وتخشى النَّاس حال كونه مقارنًا بكون الله أحق أن تخشاه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تعييرهم إياك. أي الْمَعْنَى تخشى تعيير النَّاس إياك على حذف الْمُضَاف .