قوله:(فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أهاجر
معه، كنت من الطلقاء)فاعتذرت إليه بعذر صار مقبولًا عنده. وقيل أي قالت له إني [مصبية]
أي ذات صبية وأطفال. وعدم التعيين أنسب، والطلقاء من أسلم بعد فتح مكة كالطلقاء عَلَى
التشبيه البليغ ؛ إذ الطلقاء واحدها طليق فعيل بمعنى الْمَفْعُول وهو الأسير إذا أطلق سبيله فأم
هانئ ليست كَذَلكَ لأن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنَّ عليهم وأطلقهم يوم فتح مكة ولم يسترقهم
واسمها فاختة. قوله ثم أنزل الله هذه الآية فنزول هذه الآية بعد فتح مكة، وفي بعض النسخ
من الطلقاء وهو الظَّاهر .
قوله: (نصب بفعل يفسره ما قبله) وهو يحل أي ويحل لك من الأفعال فيه التفات
ولو قرئ (وتحل) بالمتكلم لا التفات وتقدير الْمُضَارِع لأن كلمة إن في
(إن وهبت) للاسْتقْبَال ولو قدر الْمَاضي أي أحللنا لك امرأة يكون
بمعنى الْمُضَارِع لكونه جوابًا للشرط الْمَذْكُور عَلَى مذهب أو جوابًا للمَحْذُوف يدل عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كنت من الطلقاء. في النهاية الطلقاء هم الَّذينَ خلى سبيلهم يوم فتح مكة وأطلقهم النَّبيّ
-صلى الله عليه وسلم - ولم يسترقهم الواحد طليق بمعنى مَفْعُول وهو الأسير إذا أطلق سبيله .
قوله: نصب بفعل يفسره ما قبله. والتقدير يحل لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها عَلَى ما قال
صاحب الكَشَّاف. ما أظنك إن أعرفت امرأة مؤمنة إلا أن تقول إن انتصابها محمول عَلَى ما قبله من
قوله: (إنا أحللنا لك أزواجك) وهذا من سوء تأملك لأن إن وهبت نفسها للنبي
شرط والشرط لا يصح في الْمَاضي ألا ترى أنك لو قلت: إن قمت غدًا قمت أمس لكنت مخطئاً
[وقوله] إنا أحللنا إخبار عن الإحلال له في الْمَاضي فلا يصح ذلك التقدير بل التقدير وتحل لك
امرأة مؤمنة إن وهبت، ويصح به الْجَزَاء كما تقول: أقوم إن قمت وأخرج إن خرجت فافهمه. وعن أبي
علي قال: هذا امتنان منه عز وجل عَلَى نبيه أنه أحل له امرأة وهبت نفسها للنبي فيما مضى وليس
الامتنان عليه بامرأة ستفعل ذلك فإنه يكون من باب (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ) أي إن صح أني كنت قلته فكذلك
(إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) أي إن صح أنها وهبت فإنها تحل له فهذا معنى هذا الْكَلَام. وقال أبو البقاء:
قيل في ناصب وامرأة وجهان. الأول إن عامله أحللنا في أول الآية، وقد رد هذا قوم فقَالُوا أحللنا
ماض وإن وهبت مستقبل وهو صفة المرأة فأحللنا موضوع مَوْضع جوابه وجواب الشرط لا يكون
ماضيًا في الْمَعْنَى، وهذا ليس بصحيح لأن معنى الإحلال هَاهُنَا الإعلام بالحل هذا، وإنَّمَا وضع
المظهر أعني لفظ النَّبيّ في قوله: (إن وهبت نفسها للنبي) مَوْضع المضمر
ومقتضى الظَّاهر أن يقال إن وهبت نفسها لك لسبق ذكر النَّبيّ بوجه الخطاب دلالة عَلَى أن المرأة
إنما وهبت نفسها له وجاز له ذلك دون غيره تكرمة له لأجل نبوته وكذا وضع لفظ النَّبيّ في قوله
في (إن أراد النَّبيّ أن يستنكحها) موضع الضَّمير دلالة عَلَى أن الله تَعَالَى إنما آثر
إرادته في ذلك لكونه صلوات الله عليه أهلًا لذلك، فظهر أن طريق التعليلين مختلفة فكما أن [نبوته]
اقتضت ذلك فكذا إرادته. وهذا معنى قول القاضي بعيد هذا والعدول عن الخطاب إلَى الغيبة مكررا
ثم الرجوع إليه في قوله (خالصة) إيذان منه الخ. قال الزجاج، وإنما قيل للنبي لأنه لو قيل إن وهبت
نفسها لك كان يجوز أن يتوهم أن في الْكَلَام دليلا عَلَى أنه يجوز ذلك لغير النَّبيّ صلى الله تَعَالَى
عليه وسلم كما جاء في بنات عمك وبنات عماتك .