الوصف بما يدل على أنه المنعم بالنعم الدنيوية قيد الحمد بها، وتقديم الصلة للاخْتصَاص)
وتقديم الصلة أي تقديم وله عَلَى الحمد مع أنه قدم الحمد أولًا للاخْتصَاص أي قصر
الْمَوْصُوف عَلَى الصّفَة، فالْمَعْنَى الحمد مقصور عَلَى الاتصاف بكونه له تَعَالَى لا يتجاوز إلَى
الاتصاف بكونه لغيره تَعَالَى لا قصر الصّفَة عَلَى الْمَوْصُوف ؛ إذ المقصور عليه مجموع الجار
والمجرور لا المجرور وحده لكن هذا يستلزم قصر الصفة أعني الحمد سواء كان الْمُرَاد به
المبني للفاعل أو للمَفْعُول أو الحاصل بالمصدر منهما عَلَى الْمَوْصُوف وهو الله تَعَالَى
وكلام الْمُصَنّف بناء عليه فلا تغفل، ومراده أنه لتأكيد الاخْتصَاص لأن لام الحمد للجنس
كما هُوَ الراجح أو للاسْتغْرَاق وعلى التقديرين يفيد الحصر. والإشكال بأن اللام تفيد
الاخْتصَاص بمعنى الملابسة التامة لا الحصر في غاية من الضعف لأن إفادة التقديم
الحصر في الأغلب، كَمَا صَرَّحُوا به والمناقشة في إفادة التقديم الحصر أظهر من
الإشكال في إفادة لام الجنس القصر وإن أراد باللام لام الجارة فلا كلام فيه لأنها تفيد
الاخْتصَاص في الْإثْبَات لا الثبوت والقصر عبارة عن الثاني لا الأول وما نقل عن السيد
قدس سره لا يعبأ به .
قوله: (فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كَذَلكَ نعم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
في الدُّنْيَا لكن صاحب الكَشَّاف ما قيده بحسب المقابلة والعطف عَلَى نحوه قول الشاعر:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذبا
أي يقتلون نفوسهم في السلم بقرينة الوغى بل قيده بأنه في الدُّنْيَا لأن قوله:(له ما في
السَّمَاوَات وما في الْأَرْض)يدل عَلَى ذلك لقوله ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم
الدنيوية. وهذا عين ما ذكره القاضي، ولعل القاضي عرض بقوله وليس هذا من عطف المقيد عَلَى
المطلق بغير صاحب الكَشَّاف. وقال الطيبي: أَيْضًا ويمكن أن يقال: إن كلا من الحمدين مقيد ومطلق
بحسب التقابل فإن الأول مقيد بما ينبئ عن التعليل وترتب الحكم عَلَى الوصف والثاني مطلق منه
والحمد الثاني مقيد بكونه في الْآخرَة والأول مطلق منه، وأما إطلاق الأول فلقلة مبالاة بالدنيا
وتحقير شأنها وإطلاق الثاني للإيذان بفخامة شأنه وأنه مما لا يدخل تحت الوصف من الإفضال
والإكرام وغير ذلك .
قوله: فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها، ولما كان بعض الحمد
في النعم الدنيوية راجعًا إلَى العبد لم يكن جنس الحمد مختصًا به تَعَالَى [أولًا] مختصًا به مُطْلَقًا لأن
الحمد للعبد راجع إلَى حمد الله تَعَالَى لأن النعم المحمود عليها جَميعًا للَّه تَعَالَى واصلة إلَى الحامد
بواسطة أو لا بواسطة فلعدم اخْتصَاص جنس الحمد به تَعَالَى في النعم الدنيوية ببعض الاعتبار أخّر
الصلة في الحمد الْمَعْطُوف عليه حَيْثُ قيل: الْحَمْدُ للَّه ولم يقل للَّه الحمد بخلاف النعم الْأُخْرَويَّة
فإنها واصلة إلَى الحامد بلا واسطة، فجنس الحمد في الْآخرَة مختص به تَعَالَى ولذا قدم الصلة عَلَى
الحمد فقيل: (وله الحمد في الْآخرَة) قال صاحب الكَشَّاف في الفرق بين الحمدين أما
الحمد في الدُّنْيَا فواجب لأنه عَلَى نعمة متفضل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي
الثواب. وأمّا الحمد في الآخرة فليس بواجب ؛ لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها إنما هو