قوله: (وذلك إما بخلق صوت مثل صوته قبلها) وذلك إما بخلق صوت أي لفظ كما
أشار إليه بقوله مثل صوته إما بالتسبيح أو بالنوحة فيكون الأمر بالتأويب أمرا تكوينيًا
فالْمَعْنَى كوني مرجعًا بالتسبيح أو بالنوحة.
قوله: (أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها) إذا تأمل أي دَاوُود فيها أي في
الجبال ونظر فيها وعلم أن ما فيها من العجائب يسبح دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَامُ صانعها وهذا
الحمل سمي تسبيحًا مَجَازًا لكونه سببًا قد نوقش فيه بأنه مع كون لفظة معه يأباه لا
اخْتصَاص له به حتى يفضل به عَلَى غيره أو يكون معجزة له فهو ارْتكَاب مجاز من غير داع
يحمله عليه، والْمُصَنّف أخَّره لضعفه والأمر حِينَئِذٍ يكون أمرًا لدَاوُود عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقيقَة أمرًا
تكليفيًا أي سبح بالتأمل فيها فيكون هذا وجهًا آخر لضعفه.
قوله:(أو سيري معه حيث سار. وقرئ «أُوْبي» من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما
رجع فيه)أو سيري معه الخ. والتأويب سير النهار لكن الظَّاهر مطلق السير نهارًا أو ليلًا. قوله
وَقُرئَ «أُوْبي» من الأوب أي رجعي في التسبيح معه كلما رجع فيه وكان عَلَيْهِ السَّلَامُ كلما
سبح يسمع من الجبال ما يسمع من المسبح معجزة له لأنه فعل الله ظهر عَلَى يده خارق
العادة وإن لم يكن وقت التحدي.
قوله: (وهو بدل من فَضْلًا أو من آتَيْنا بإضمار قولنا أو قلنا) بدل من فضلًا بدل الكل
للتقرير وكمال التوضيح وهو الظَّاهر ولذا قدمه لخلوه عن الحذف لكنه بملاحظة كون
الْمَعْنَى تأويب الجبال أو أوبها كما سيجيء. قوله بإضمار قولنا أي بإضمار لفظ قولنا أو قلنا
قيل الظَّاهر إنه لف ونشر مرتب الأول ناظر إلَى كونه بدلًا من فضلًا والثاني ناظر إلَى كونه
بدلًا من (آتينا) فعلى البدلية من (فضلًا) يقدر قولنا وعلى الثاني يقدر قلنا وما فهم من كلامه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (وَقُرئَ «أُوْبي» من الأوب بمعنى الرجوع والمعنى ارجعي في التسبيح
كلما رجع دَاوُود فيه. وفي الكَشَّاف وَقُرئَ «أُوْبي» من التأويب والأوب أي رجعي معه
التسبيح أو ارجعي معه في التسبيح كما رجع فيه لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه. قوله لأنه إذا رجعه
فقد رجع فيه تلفيق بين معنى القراءتين لئلا تتخالفا معنى والقراءة الأولى هى الْمَشْهُورَة والثانية
شاذة. قال الراغب: الأوب ضرب من الرجوع لأن الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة
والرجوع عام يقال آب أوبًا وإيابًا ومآبًا والأواب كالتواب وهو الراجع إلَى الله تَعَالَى من المعاصي
ويفعل الطاعات قال تَعَالَى (أَوَّابٍ حَفِيظٍ) وفيه قوله للتوبة أوبة. إلَى هنا كلامه.
قوله: بإضمار قولنا أو قلنا. قولنا بالنصب تصوير لكونه بدلًا من فضلًا أي آتيناه قولنا:(يا
جبال أوبي معه)فيكون بدل الكل من الكل لأن أمر الجبال بترجيع التسبيح معه فضل
وكرامة من الله تَعَالَى له ويجوز أن يكون بدل البعض من الكل بناء عَلَى أن الخاص بعض العام.
وقوله: قلنا تصوير لكونه بدلًا من آتينا أي ولقد قلنا يا جبال أوبي معه، فعلى هذا يكون بدل
الاشتمال للملابسة بين إيتاء الفضل والْقَوْل بـ يا جبال أوبي معه، وإنما قلنا يكون البدل عَلَى الثاني
بدل الاشتمال وإن كان مآل الإبدال عَلَى هذا التقدير أَيْضًا إلَى تفضيله عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لأن
بدل الكل لا يجري بين الجمل عند علماء الْمَعَاني لما بين في موضعه.