تجوزًا وجه التَّجَوُّز للمشاكلة. وفي الكَشَّاف ويجوز أن ينصب بـ اعملوا ومعناه إنا سخرنا لكم
الجن يَعْمَلُونَ لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرًا عَلَى طريق المشاكلة، والْمُرَاد التَّجَوُّز في
الإيقاع لأن الطاعة التي هي الْمَفْعُول به سبب للشكر ولا يبعد كونه مَجَازًا في الطرف ذكر
الشكر وهو المسبب وأريد الطاعات وهي السبب.
قوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه
وجوارحه أكثر أوقاته) (وَقَلِيلٌ) خبر مقدم قدم للتنبيه عَلَى قلته في أول الأمر المتوفر عَلَى أداء
الشكر الخ. هذا مُسْتَفَاد من صيغة المُبَالَغَة ومعنى المتوفر المستزيد وتعديته بـ على لتضمنه
معنى القائم لأنه لازم له والمفهوم منه أن الشاكر كثير بالنسبة إليه لكنه لا يعبأ به ما لم يكن
شاكرًا بقلبه ولسانه وجوارحه الْمُرَاد من عبادي عباده الْمُؤْمنُونَ؛ إذ الْإضَافَة لتَشْريف الْمُضَاف
وقد تكون عامًا للكفرة وفي قَوْله تَعَالَى (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ)
الْمُرَاد بالعباد الكفرة لكن اسْتعْمَاله فيهم قليل منوط بالقرينة.
قوله:(ومع ذلك لا يوفى حقه؛ لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر لا إلى
نهايته، ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر)ومع ذلك أي مع قلته لا يوفى حقه لا
يؤدى حقه وهذا ليس ببيان للقلة بل بيان أنه لا يؤدى حق الشكر القليل لأن توفيته للشكر
نعمة جسيمة الخ. فلا يقدر أداء الشكر بوجه ولذا قيل الشكور من يرى الخ. كما قيل: العجز
عن الإدراك إدراك وسره أن العجز اعتراف بعدم قدرته عَلَى الشكر وهو عين الشكر. وفي
الإحياء: أن دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَامُ قال في مناجاته يا رب إذا كان إلهامك للشكر وإقداره عليه
نعمة فكيف يتأتى لي شكرك؟ فقال: يا دَاوُود إذا عرفت هذا فقد شكرتني. وسره ما مَرَّ من أنه
اعتراف بعدم قدرته عَلَى الشكر كما هُوَ حقه وهذا عين الشكر مع صرف جميع ما أنعم
عليه إلَى ما خلق له. وقيل لأن التوفيق عَلَى الشكر نعمة فتستدعي شكرًا آخر لا إلَى نهاية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الشكر عمل مَخْصُوص وضرب من العمل وهو مقابلة النعمة لسانًا وجنانًا وأركانًا.
قوله: المتوفر عَلَى أداء الشكر. معنى التوفر مُسْتَفَاد من صيغة المُبَالَغَة في لفظ الشكور وبين
معنى التوفر في الشكر بأن يقبل الشاكر عليه بكليته في أكثر أوقاته وهو معنى الشكر الاصلاحي
وهو صرف الجميع إلَى ما خلق لأجله وزاد عليه كثرة الزمان. وعن ابْن عَبَّاسٍ الشكور من يشكر
على أحواله كلها. عن السدي من يشكر عَلَى الشكر. وقيل من يرى عجزه عن الشكر. وهذا هُوَ معنى
قول السدي وعليه قوله:
[إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ]
وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ ... إِذَا مَسَّ بِالسَّرَّاءِ عَمَّ سُرُورُهَا
وَإِنْ مَسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الْأَجْرُ
وعن دَاوُود أنه جزأ ساعات الليل والنهار عَلَى أهله فلم يكن تأتي ساعة من الساعات إلا
وإنسان من آل دَاوُود قائم يصلي وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلني من
القليل. فقال عمر ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل إني سمعت [الله - عز وجل -] يقول:(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ
الشَّكُورُ)فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل. فقال عمر: كل النَّاس أعلم من عمر.