سياق كلامه وسياقه (ظلمة الكفر) أي الكفر المبطن (وظلمة النفاق) أي ظلمة الخداع
المترتب عَلَى النفاق؛ إذ ظاهره يؤدي إلَى التكرار ويخل إيراد الجمع (وظلمة يَوْم الْقيَامَة
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمنينَ وَالْمُؤْمنَات يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْديهمْ وَبأَيْمَانهمْ) بدل
من يَوْم الْقيَامَة وهو اقتباس لطيف فإضافة الظلمة في المواضع الثلاثة بل في الموضعين
إضافة المشبه به إلَى المشبه والظَّاهر أن الظلمة حَقيقَة في الثالث مع أنها مجاز في الأولين
فيلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز وهذا وإن كان جائزا عند المص لكنَّه خلاف مذاق الْكَلَام
إذ جمع ظلمة الدُّنْيَا وظلمة الْآخرَة في إطلاق واحد مما لا يناسب جزالة النظم الجليل
وأَيْضًا لا يلائم التمثيل فإنه من أحوال الدُّنْيَا والاعتذار بأنه لما تقرر في حقهم أن يكُونُوا
يَوْم الْقيَامَة في ظلمة صار كأنه واقع بهم بعيد في مثل هذا المقام. وقيل إن الْمُرَاد بظلمة يوم
الْقيَامَة ظلمة كانت لهم في الدُّنْيَا لكنها ظهرت في يَوْم الْقيَامَة، والْمُرَاد إقرارهم اللساني
وأحكام الْإسْلَام التي أظهروها في الدُّنْيَا، ولا يخفى عليك أن هذا حِينَئِذٍ يرجع إلَى الأولين
فإن ما ذكره عين النفاق والكفر فالوجه الأول بالنسبة إليه أوجه.
قوله: (أو ظلمة الضلال) توجيه آخر لجمع الظلمة، والْمُرَاد بظلمة الضلال ظلمة الكفر
وظلمة الخداع وهيجان الفتنة وغيرها عدها واحدًا لاشتراكها في الانحراف عن الطريق
القويم (وظلمة سخط الله) التابعة للأولى (وظلمة العقاب السرمدي) التابعة للثانية فلذا قدم
الأولى عَلَى الثانية المتقدمة عَلَى الثالثة فالظلمة مجاز في الأفراد كلها والْإضَافَة من قبيل
لجين الماء وذكر ظلمة العقاب السرمدي الكائنة في الْآخرَة ووجه حسنه مثل ما سبق.
قوله: (أو ظلمة شديدة كأنها ظلمة متراكمة) أي الْمُرَاد ظلمة واحدة وهي ظلمة الكفر
الخفي لكنها لشدتها اسْتُعيرَ صيغة الجمع لها للمُبَالَغَة في شدتها وكمالها في بابها فشبه تعدد
الكيفية بتعدد الأفراد كما أشار إليه كما أنها ظلمات الخ. فاستعمل ما هُوَ موضوع للثاني في
الأول وتقدير الْمُضَاف يخرج الْكَلَام عن البلاغة.
قوله: (ومَفْعُول(لا يبصرون) من قبيل المطروح والمتروك) الأولى
اكتفاء بأحدهما أي نزل منزلة اللازم بمعنى لا يتأتى منهم الإبصار لأنهم فاقدين الأبصار
وإن جعل الضَّمير راجعًا إلَى المستوقد فجمع الظلمات باعْتبَار انضمام ظلمة الليل بظلمتي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ومَفْعُول (لا يبصرون) من قبيل المطروح المتروك أي لا من قبيل
المقدر المعنوي فكان الْفعْل غير متعد كأنه قيل تركوا في ظلمات متراكمة بحَيْثُ لا يتيسر منهم
الإبصار قطعًا ويجوز أن يكون حذف الْمَفْعُول للعموم والمُبَالَغَة ليفيد أنهم لا يبصرون شَيْئًا ما.