الغمام وتطبيقه بقرينة قوله: (لا يبصرون) فإن ظلمة الليل وحدها لا ينافي الإبصار
بالكواكب المضيئة فمن قال إنه ليس في الآية. إشَارَة إلَى الغمام وإلى تطبيقه يرد عليه أنه
ليس في الآية. إشَارَة أَيْضًا إلَى الليل فإن أجاب بأن قوله (في ظلمات) يدل عليه أجبنا بأن
قوله: (لا يبصرون) يدل عَلَى الغمام وتطبيقه لما عرفت، وأما الْجَوَاب بأن الْمُرَاد الظلمة
الشديدة كأنها ظلمات متراكمة، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف آخرًا فراجع إلَى ما ذكر وليس بمغاير
للجواب الْمَذْكُور في التحقيق (فكأن الْفعْل غير متعد) .
قوله: (والآية. مثل) فيه مسامحة. والْمَعْنَى والآية. مسوقة لتمثيل غير مختص بالْمُنَافقينَ
بل عام لكل من أتاه ضربًا من الهدى والمُنَافقُونَ يدخلون تحت عمومه دخولًا أوليًّا قوله
مثل إشَارَة إلَى أن الْمُخْتَار عند الْمُصَنّف حمل الآية. عَلَى التشبيه التمثيلي أي تشبيه الهيئة
بالهيئة، فعلى هذا يكون الحكم المُسْتَفَاد من الآية. عامًا لا خاصًا بالْمُنَافقينَ، وأما إن حمل
على التشبيه المفرق كان الحكم مختصًا بهم وتوضيح التشبيه التمثيلي والتشبيه المفرق
سيجيء من الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ)
فانتظر أو ارجع إليه وهذا العموم من دلالة النص لا من مَنْطُوقه لأنه مَخْصُوص بالْمُنَافقينَ
لكون ضمير مثلهم راجعًا إليهم فلا إشكال وإن الضَّمير راجع إلَى الْمُنَافقينَ فَكَيْفَ العموم
قوله: (ضربه الله تَعَالَى) وضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم وأصله وقع شيء عَلَى آخر
(لمن آتاه) أي أعطاه (ضربًا) أي نوعًا (من الهدى) من الهداية أو من الاهتداء قد عرفت في
سورة الْفَاتحَة أن للهداية أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة الأول إفاضة
القوى والثاني نصب الدلائل والثالث إرسال الرسل وإنزال الكتب والرابع الكشف عَلَى
الْقُلُوب السرائر إذا عرفت هذا فاعلم أنه لا يخلو أحد عن أن يعطيه الله تَعَالَى ضربًا من
الهداية لا سيما إفاضة القوى وإرسال الرسل فمن أضاع ذلك يدخل تحت عموم هذا
التمثيل ومن هذا القبيل قَوْلُه تَعَالَى: (وأما ثمود فهديناهم) أي فدللناهم
على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل (فاستحبوا العمى عَلَى الهدى)
فاختاروا الضلالة عَلَى الهدى كما اختاره الْمُصَنّف في تفسير الآية الْمَذْكُورة فالهدى في
قوله: ضربًا من الهدى عام للدلالة عَلَى ما يوصل إلَى المطلوب غير مختص بالإيصال إلَى
البغية فيعم جميع الْكُفَّار وغيرهم من الَّذينَ آتاهم الله تَعَالَى نوعًا من الهداية (فأضاعه) وإن
لم يضر تصديقه وإذعانه كالعلماء المرزوقين بالعلم ولم يعملوا بمقتضاه فأضاعوه فبقوا
متحسرين ومن هذا القبيل الإمارة والعناء وسائر النعم العظمى فمن أضاع تلك النعم يبن له
الغبن في البيع والسلم فقوله (ولم يتوصل به إلَى نعيم الأبد) أراد به العموم أي لم يتوصل
به إلَى نعيم الأبد أصلًا كالْكُفَّار أو لم يتوصل به إلَى نعيم الأبد المترتب عَلَى العمل بالعلم
والعدالة بالإمارة والتصدق من المال الحلال وغير ذلك (فبقي متحيرًا) في أمره (متحسرًا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والآية. مثل ضربه الله لمن آتاه ضربًا من الهدى مبني عَلَى أن التشبه في الآية. من قبيل
التشبيه المركب وقوله أو مثل لإيمانهم الخ. عَلَى أنه من التشبيه المفرق .