على ما فات منه من الانتفاع بهدايته والعمل بعمله والعدالة بسلطنته وفي الْحَديث ليس
يتحسر أهل الجنة إلا عَلَى ساعة مرت بهم ولم يذكروا اللَّه تَعَالَى فيها كما في الحصن
الحصين فاتضح منه أن الأوقات والساعات من جملة النعم والهداية فإنها من الْأَسْباب التي
يتوصل بها إلَى نعيم الأبد فمن أضاعها في الهوى فيبقى متحسرًا عَلَى الأبد فما ظنكم بما
ذكرناه من النعم التي يتوصل بها إلَى الروضات في دار الخلد (تقريرًا) مَفْعُول له لقوله
ضربه لما تضمنته الأولى وهي (أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى) الآية. ووجه كونه تقريرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: تقريرًا وتوضيحًا لما تضمنته الآية الأولى وهي قَوْلُه تَعَالَى:(أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا
الضَّلَالَةَ بالْهُدَى فَمَا رَبحَتْ تجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدينَ)فإن مضمونها اختيارهم العمى
على الهدى وبقاؤهم عَلَى عدم الاهتداء وهذا أمر عقلي ومعنى معقول فصور هذا المعقول بالتمثيل
في صورة المحسوس فمعنى التقرير والتوضيح استفيد من تشبيه المعقول بالمحسوس وتصويره
بصورة الأمر المشاهد عَلَى ما. قال صاحب الكَشَّاف لما جاء بحَقيقَة صفتهم عقبها بضرب النل زيادة
في الكشف وتتميمًا للبيان ثم قال بعد البيانات الشافية فإن قلت: فبم شبهت حالهم بحال المستوقد ؟
قلت في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورطوا في حيرة ثم قَالَ فإن قلت: وأين الإضاءة في
حال المنافق وهل هُوَ أبدًا إلا حائر خابط في ظلماء الكفر. قلت الْمُرَاد ما استضاؤوا به قليلًا من
الانتفاع بالكلمة المجراة عَلَى ألسنتهم ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم
إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمدي ويجوز أن يشبه بذهاب اللَّه بنور المستوقد اطلاع الله
على أسرارهم وما افتضحوا به بين الْمُؤْمنينَ أو اتسموا به من سمة النفاق والأوجه أن يراد به الطبع
لقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) وفي الآية. تفسير آخر وهو أنهم لما اتصفوا بأنهم اشتروا
الضلالة بالْهُدَى عقب ذلك بهذا المثيل لتمثيل هداهم الذي باعوه بالنَّار المضيئة ما حول المستوقد
والضلالة التي اشتروها وطبع عَلَى قُلُوبهمْ بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم إلَى هنا كلامه السؤال
الأول وقع عن وجه التشبيه بين المشبه والمشبه به أي في أي معنى قصد اشتراك حالهم بحال
المستوقد حتى صح له تشبيهها بها فهذا صريح في أن السؤال عن وجه الشبه وتقرير الْجَوَاب أن وجه
الشبه هُوَ أن الْمُنَافقينَ والمستوقد جَميعًا وقعوا عقيب مباشرة أسباب المطلوب في الحرمان والتحسر
والخيبة والتحير فعن الأول عبر بالإضاءة وعن الثاني بالظلمة ولا خفاء في اشتراك الطرفين بالإضاءة
والظلمة بهذا الْمَعْنَى وبهذا سقط ما قاله الطيبي من أنه إن أريد حَقيقَة الإضاءة لم يشترك فيها حال
الْمُنَافقينَ وإن أريد الإضاءة المجازية لم يشترك فيها حال المستوقد والتحقق فيه أن هذا من قبيل ما
يتسامح فيه وبيانه أنه قد ذكر في مكان وجه التشبيه ما يستتبعه كما يقال هذا الْكَلَام كالعسل في
الحلاوة قصدًا بالحلاوة إلَى لازمها الذي هُوَ ميل الطبع فكذا المقصود هَاهُنَا فإنهم وقعوا بعد لازم
الإضاءة في لازم الظلمة ثم سأل عن لازم الإضاءة في حال المنافق ما هُوَ فإن لازم الظلمة واضح
كثير فأجاب بأن لازم الإضاءة الانتفاع بالكلمة المجراة عَلَى ألسنتهم من مناكرتهم وإعفائهم عن
المحاربة ومن الإحسان إليهم وإعطائهم الحظوط من المغانم فكأنه قيل حالهم كحال المستوقد في
أنهم عقيب الانتفاع المعبر عنه بالإضاءة وقعوا في ظلمة النفاق المفضي إلَى السخط والعقاب
السرمدي أو ظلمة الافتضاح بين الْمُؤْمنينَ بالاطلاع عَلَى أسرارهم أو ظلمة الطبع الحاصل من تزايد
الرين الحاصل بسَبَب إمهالهم عَلَى النفاق وهذا الأخير أوجه بدليل قَوْلُه تَعَالَى:(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ
لَا يَرْجعُونَ)فإن هذا من خواص أهل الطبع. قال الفاضل أكمل الدين .