الاسْتمْرَار كما تقدم في قوله: (الله الذي أرسل الرياح) الآية. وهنا إنما يحسن
مع أن الفعلين ليس الشيء لأنهما كناية عن الطاعة والانقياد فيكونان كشيء واحد وقدم
الخشية لأنها سبب لسائر الطاعات .
قوله: (ومن تطهر) أي عَلَى وجه المُبَالَغَة ؛ إذ التَّكَلُّف يستلزم المُبَالَغَة والْكَمَال ؛ إذ ما
يفعل بالتَّكَلُّف يوجد عَلَى وجه الحسن والْكَمَال .
قوله: (عن دنس المعاصي) أي عن المعاصي كالدنس في الخباثة وتنفر الطبع ويدخل
فيها الكفر دخولًا أوليًّا .
قوله:(إذ نفعه لها، وقرئ «ومن أزكى فإنما يزكي» وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم
وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة [التزكي] )إذ نفعه لها أي بالذات ونفعه لغيره بالواسطة فإن
القوم الذي فيهم الصالحون سالمون عن الآفات وينزل عليهم البركات وهو اعتراض أي
جملة تذييلية بقرينة قوله مؤكد الخ. وإشَارَة إلَى أنه تَعَالَى غني عن عبادتهم، وإنما وجب ما
وجب لكونهم منتفعين بها في الدُّنْيَا والعقبى .
قوله: (فيجازيهم عَلَى تزكيتهم) وخشيتهم وإقامة صلواتهم فيكون ترغيبًا للتزكي
وتشويقًا إلَى التحري فيكون الختم به أشد مناسبة بأوله .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الصلاة والسلام أرسل لإنذار كافة الثقلين من غير تَقْييد بالخشية، ( [وَأَقَامُوا] الصَّلَاةَ) وجب أن يبين وجه
تَخْصيصهم بالذكر من بين من عداهم فوجه التخصيص أنهم المنتفعون بالإنذار دون غيرهم فإن
الإنذار إنما يكون إنذار أو يكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن باللَّه والبعث والْقيَامَة وأهوالها لا مع
غيره. وبيانه أنه تَعَالَى لما أظهر [غضبه] عَلَى من اتخذ من دون الله أندادًا بقوله: (إن يشأ يذهبكم)
واتبعه بالإنذار بيَوْم الْقيَامَة وأهوالها التفت إلَى حبيبه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ناعيًا إليه
تمردهم وعنادهم وأن الوعظ لا ينجع فيهم لأنهم لا يخافون عقابه لكونهم جهالًا لا يتفكرون في
العاقبة، وإنما ينجع فيمن يوقن أنه لا بد من المصير إلَى الله تَعَالَى فيخشى عقابه وإليه ينظر قوله
تَعَالَى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .
قوله: واخْتلَاف الفعلين لما مَرَّ. أي اخْتلَاف يخشون وأقاموا حيث ذكر الأول بلفظ الْمُضَارِع
والثاني بلفظ الْمَاضي لعلة ذكرت في بيان اختلاف الأفعال في قَوْله تَعَالَى(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ
فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، وهي الدلالة عَلَى
الاسْتمْرَار، فالْمَعْنَى إنما تنذر الَّذينَ يداومون عَلَى حشية ربهم وأقاموا الصلاة مستمرين عليهما .
قوله: واعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة. أي قوله عز وجل(ومن تزكى فإنما يتزكى
لنفسه)جملة معترضة مؤكدة لمضمون الجملتين الْمَذْكُورتين وهو خشيتهم وإقامتهم
الصلاة. وجه كونه مؤكدًا للخشية وإقام الصلاة أنهما من جملة التزكي من حيث إن المتطهر من
دنس عصيان الرب يلزمه أن يخشى ربه ويقيم الصلاة لذكره .