قوله: (ومن ثمة ترى المفلقين السحرة) أي ومن أجل ذلك ومن التعليلية من
متفرعات معنى الابتداء ؛ إذ العلة منشأ المعلول ومبتدأه والمفلقين جمع مفلق اسم فاعل وهو
من يأتي بالفلق بالفتح أو بكسر فسكون وهو الأمر الغريب العجيب، والْمُرَاد الآتين
بالعجائب وهي كالسحر في الغرابة، وعن هذا قال السحرة مَجَازًا كما في الْحَديث"إن من"
البيان لسحرًا"يعني أن بعض النَّاس بمثابة السحر في ميلان الْقُلُوب أو في العجز عن إتيان"
مثله وهذا النوع ممدوح إذا صرف إلَى الحق أو مذموم إذا صرف إلَى الباطل. والحاصل إذا
بلغ الْكَلَام في غاية من البلاغة ونهاية من الفصاحة كان مشابهًا بالسحر في ذلك(يضربون
عن توهم التشبيه صفحًا)أي يعرضون عنه وضرب الصفح كناية عن الإعراض والتناسي
لأنه من ضرب بمعنى أعرض والصفح الإعراض مصدر ليضرب من غير لفظه (كما قَالَ أبو
تمام الطائي .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ومن ثمة أي ومن أحل أن الاسْتعَارَة مشروطة بطي ذكر المُسْتَعَار له ترى المفلقين
السحرة أي ترى البلغاء الَّذينَ يأتون دقائق البلاغة بأمور عجيبة إتيانا تشبيهًا بالسحر.. قال الْجَوْهَريّ
الفلق الداهية والأمر العجيب .
قوله: يضربون أي يعرضون من توهم التشبيه إعراضًا تامًا وصفحًا كليًا كأنهم يتناسون
التشبيه ويبنون عَلَى المُسْتَعَار له ما تصح أن يبنى عَلَى المُسْتَعَار منه كما في قول أبي تمام
ويصعد البيت وأوله:
فما زال يفرع تلك العلى ... مع النجم مرتديًا بالعماء
وفروع العلى مُسْتَعَار من فروع المنابر والجبال استعار العلو المكاني لعلو المكانة والمرتبة
وتناسى التشبيه حيث بتى عَلَى علو المكانة ما يبنى عَلَى علو المكان وهو الحاجة في السَّمَاء. وقيل
هو ظن الجهول بأن له حاجة فيها. وقيل الصعود وإنه مستعمل في المكان واللام في لظن موطئة
للقسم، وإنَّمَا كان مبني الاسْتعَارَة تناسي التشبيه لأن التشبيه يقتضي الطرفين المشبه والمشبه به
والاسْتعَارَة إنما هي بعد ادعاء أن المشبه عين المشبه به لا شيء آخر فيما في ذلك الادعاء ذكر
المشبه لأن ذكره يذكره وفمع التشبيه المستدعي للمغايرة بَيْنَهُمَا مع أن المدعي سلب المغايرة
وادعى ثبوت الاتحاد وهم قد يتناسون التشبيه مع التصريح بذكر الطريق كما في قوله:
هي الشمس مسكنها في السما ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعودا ... ولن تستطع إليك النزولا
وما في الآية. من هذا القبيل لأنه تشبيه بليغ مثله وهو إذا كانوا مع التشبيه والأعراف بالأصل
يسوغون أن لا يبنوا إلا عَلَى الفرع فهم إلَى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاسْتعَارَة أقرب
وأنشد صاحب الكَشَّاف في هذا الباب حيث قال:
لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سرْباله رَجُلًا ... ففيه غَيْثٌ ولَيْثٌ مُسْبلٌ مُشْبل