على تشبيه أحوال قواهم بمصادر تلك المشتاق ولو اخْتيرَ هذا التشبيه لكانت الآية. اسْتعَارَة تبعية
بالاتفاق لكون المُسْتَعَار له وهو الصمم مثلًا مطويًا ذكره وإن المشابهة بين المصادر وأحوال
القوى بلغت مبلغًا بحَيْثُ تعدت إلَى الذاتين ولهذا اختار الْمُصَنّف والزَّمَخْشَريّ تشبيه الذوات
للمُبَالَغَة في إثبات الآفة.
قوله: (هذا) أي التَّفْسير بقوله لما سدوا مسامعهم الخ. (إذا جعلت الضَّمير للْمُنَافقينَ)
أي ضميرهم في قَوْله تَعَالَى (بنورهم) أو هم المقدر هنا أي هم صم (على أن الآية) وهي
(صم بكم) الآية. (فذلكة التمثيل) الفذلكة عبارة عن إجمال الأمور بعد ذكرها
مفصلًا بأن يقال فذلك كذا وكذا مأخوذ من قول الحاسب بعدما يملي مفردات ما يحسب فجملة
ذلك كذا فركب هذا اللَّفْظ من بعض حروفه لأن فذلكة بعض من فذلك كذا وكذا كالحوقلة
والْبَسْمَلَة وهو مصدر من باب فعلل مصنوع لكنَّه مقصور عَلَى السماع وهذه اللفظة مما أحدثه
المولدون قوله (ونتيجته) عطف تفسير لها والتغاير بَيْنَهُمَا اعتباري فإنه من حيث إنه إجمال بعد
تفصيل فذلكة ومن حيث إن ما قبله مستلزم له فهو نتيجة له وترك العطف لأنه من حيث إنه مقرر
له ومشتمل له كان بمنزلة بدل الاشتمال فاخْتيرَ الفصل تنبيهًا عَلَى ذلك ولو نظر إلَى أنه مغاير
لما قبلها ومترتب عليه ترتب النتاج والفرع عَلَى أصله لكان مقارنًا بالفاء لكن اخْتيرَ النظر
الأول لأن فيه مُبَالَغَة لطيفة فجملة صم إما مُسْتَأْنَفَة لا محل لها أو حال ووجه كونه فذلكة
التمثيل مع أنه لا يعلم من التمثيل إلا كونهم عميًا ولا يعلم كونهم صمًا وبكمًا هُوَ أن المراد
بالتمثيل بيان تحيرهم وشدة شأنهم كما سيصرح به الْمُصَنّف عن قرب وتلك الحيرة أدت إلَى
اختلال مشاعرهم بأسرها وانتفاء قواهم عن آخرها كما قرره في أوائل الدرس فيكون التمثيل
مشتملًا عليها بلا ريب، والْمُرَاد بوقوعهم في الظلمات وقوع ظلمات معنوية لا حسية كما يدل
عليها جمعها فلا يفيد التَّخْصِيص بعدم الإبصار بل يفيد عدم الانتفاع بقواهم . فإن قيل قد صرح
الْمُصَنّف فيما مَرَّ بأن الآية. مثل ضربه اللَّه تَعَالَى الخ. فيعم الْمُنَافقينَ وغيرهم ومن جملته من صح
له أحوال الإرادة فيما معنى كونهم صمًا بكمًا عميًا. قلنا الصمم وغيره من قبيل الكلي المشكك
ففي كل واحد منهم يوجد الصمم وغيره بحسب ما يناسبه وبقدر ما يليق به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى أن الآية. فذلكة التمثيل هذا استرجاع لرجع الضَّمير إلَى الْمُنَافقينَ أي فذلكة تمثيل
الْمُنَافقينَ بالمستوقد ونتيجته لا من تتمة قصة الممثل به أعني المستوقد يعني الخ. هذا التمثيل وأثمر
أن الْمُنَافقينَ عَلَى هذه الحالة وهي كون أسماعهم عَلَى صمم من استماع الحق وألسنتهم عَلَى
خرس من النطق به وأعينهم في غطاء عن التبصر والنظر إلَى الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس
وقلوبهم في حجاب عن التذكر والتأمل فيها وفيما ألقي إليهم من الوحي الإلهي المشتمل عَلَى
علوم جمة ومواعظ كثيرة وكانوا عن التذكرة معرضين.