الله يحيي هذا بعد ما رم، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم ويبعثك ويدخلك النار فنزلت) روي الخ.
وهذا الْحَديث رواه البيهقي بعظم بالٍ أي فإن قوله يفتته أي يكسره أجزاءً. قوله: أترى الله
أي أتعلم الله يحيي هذا مَفْعُولي تعلم. قوله بعد ما رم أي بعد البلى عَلَى أن (ما) مصدرية فقال
عَلَيْهِ السَّلَامُ:"نعم"تم الْجَوَاب به. أي الله تَعَالَى يحيي هذا بأن جمع الأجزاء المتفرقة معه
ونفخ الروح فيه، والاسْتفْهَام في السؤال وإن كان للإنكار الوقوعي في قوة النفي لكن النظر
في الظَّاهر وظاهره إيجاب ونعم تقرير لذلك المثبت كما قَالُوا في (ألست بربكم)
النفي إذا دخل عليه الاسْتفْهَام وإن كان يقتضي تقريرًا في بعض الْكَلَام
هو معامل معاملة النفي المحض في الْجَوَاب ألا ترى إلَى قَوْلُه تَعَالَى:(ألست بربكم قَالُوا
بلى)نقله الفاضل السعدي في قَوْله تَعَالَى:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ [مَاءً] فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً)من سورة الحج وما نحن فيه عكس ذلك
الخ. فلا إشكال بأن الظَّاهر في الْجَوَاب بلى لإبطال النفي المنفهم من الاسْتفْهَام الإنكاري
الوقوعي. وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"ويبعثك"الخ. زيادة عَلَى الْجَوَاب وقد عدوا من الأسلوب
الحكيم كأنه قيل لا كلام فيه بل الْكَلَام في حالك وأمثالك فسؤاله نزل منزلة حاله وأمثاله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فقال نعم ويبعثك ويدخلك النَّار. وهذا من الأسلوب الحكيم أي إحياؤه مما لا كلام
فيه فسل عن حالك كَيْفَ تصير إلَى جهنم. قيل ليس هذا من الأسلوب الحكيم في شيء بل أجاب
وزاد في الْجَوَاب بالبعث والعقاب فيقال الأسلوب الحكيم هُوَ تلقي المخاطب بغير ما يترقب أو
السائل بغير ما يتطلب فقوله - صلى الله عليه وسلم - ويبعثك ويدخلك النَّار مقحم واللعين لم يترقب ذلك عَلَى أن
سؤاله ذلك لم يكن سؤال مسترشد طالب للحق بل هُوَ سؤال متعنت منكر لم يقنع ببلى ونعم
ونظيره قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ) جوابًا عن قولهم: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا
تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) . عَلَى أن الزائد عَلَى الْجَوَاب لا يعتنيه إلا الحكيم
الحاذق . قال الرَّاغب: السؤال ضربان سؤال جدل وحقه أن يطابقه جوابه لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه
وسؤال تعلم وحق المعلم أن يصير فيه كطبيب رفيق يتحرى شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه طلبه
المريض أو لم يطلبه وقال الطيبي: مثاله من غلب عليه مرة السوداء إذا طلب من الطبيب أن يتناول
الجبن فيقول عليك بمائه كما أجيب عن سؤالهم عن الأهلة بقوله: (قل هي مواقيت للناس)
وإذا طلب من قهرة الصفراء العسل فيقول له مع الخل وعليه ما نحن بصدده وقوله
تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) قوله
صار اسمًا بالغلبة يعني كان الظَّاهر أن يقال رميمة لأنه فعيل بمعنى فاعل، فوجه عدم مطابقته لما
أسند إليه في التأنيث أنه جعل اسمًا بالغلبة لما رم من العظم فخرج عن كونه صفة مُشْتَقَّة فلذلك لم
يراع المطابقة أو هُوَ فعيل بمعنى مَفْعُول يستوي فيه المذكر والمؤنث نحو رجل قتيل وامرأة قتيل.
وفي الكواشي: لم يؤنث رميم وإن وقع [خبر المؤنث] لأن الرميم والرمام والرمامة العظام البالية
كالرفات وليس بصفة لأن الصّفَة ما كان بمعنى فاعل أو مَفْعُول وزعم بعضهم أن رميمًا بمعنى فاعل
أو مَفْعُول. وقال محيي السنة: لم يقل رميمة لأنه معدول من فاعلة وكل ما كان معدولًا عن وجهه
ووزنه كان مصروفًا عن إخوانه كقوله: (وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) أسقط الهاء لأنها كانت
مصروفة عن باغية .