وأن هنا قرينة عَلَى حذف أن في أحضر الوغى. الوغى الحرب يخاطب الشاعر من
زجره عن الحرب ولامه عَلَى التلذذ بالشهوات ويقول له هل تضمن لي الخلود فإن من لا
خلود له يغتنم الفرصة ولا يخاف من الذي يلاقيه لا محالة. وقد مَرَّ في سورة الروم في قوله
تَعَالَى: (ومن آياته يريكم البرق) توضيح هذا البيت .
قوله: (وتعدية السماع بـ إلى لتضمنه معنى الإِصغاء) فيه إشَارَة إلَى أن اختيار قراءة(لا
يسْمَعون)من الثلاثي لتضمنه معنى الإصغاء وإلا فتعديته قد يكون بنفسه مثل سمعت زيدًا
وبالياء نحو عمرك اللَّه. سَمِعْت بِراعٍ ... رَدَّ في الضَّرْعِ ما [قَرَى] فِي الحِلاَبِ. واختار المص
التَّضْمين وهو الأولى. وقيل إنه مجاز فيه .
قوله: (مُبَالَغَة لنفيه وتهويلًا لما يمنعهم عنه) أي لنفي السماع لأنهم إذا لم يقدر
الإصغاء الذي هُوَ السماع فعدم سمعهم يعلم بالطريق الأولى وأنه كناية وهي أبلغ فمن قال
إنه لا يلزم من انتفاء المجموع انتفاء كل جزء منه فقد غفل لأن الْمُرَاد انتفاء الإصغاء وهو
سبب فلا جرم أنه مستلزم لانتفاء السماع ويلزم انتفاع المجموع بجزأيه معًا لا محالة .
قوله: (ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد من التسمع وهو تطلب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتعدية السماع بـ إلى [لتضمنه] معنى الإِصغاء مُبَالَغَة لنفيه وتهويلًا لما يمنعهم عنه. يعني
أن السماع يعدى بنفسه يقال سمعت فلانًا يتحدث وسمعت حديثه ويُعدى بـ إلى يقال سمعت إليه
يتحدث وسمعت إلَى حديث فالمعدى بنفسه يفيد الإدراك فمعنى سمعت فلانًا يتحدث أدركته
يتحدث ومعنى سمعت حديثه أدركت حديثه ومعنى سمعته إليه يتحدث وسمعت إلَى حديثه
الإصغاء مع الإدراك أي أصغيت إليه يتحدث وأصغيت إلَى حديثه ومعنى الإصغاء إمالة الْقُوَّة
السامعة إلَى الجهة التي يراد الاستماع من تلك الجهة وفي تضمين لا يسمعون معنى لا يصغون
المُسْتَفَاد من كلمة إلَى مُبَالَغَة في نفي استماعهم كلام الْمَلَائكَة وتهويل لمانع سماعهم له وهو قذف
الشهب لدلالته عَلَى أنهم لا يقدرون من هيبة الشهب عَلَى أن يميلوا آذانهم إلَى جهة السماء فضلًا
أن يسمعوا كلام الْمَلَائكَة.
قوله: ويدل عليه قراءة حمزة. أي يدل عَلَى أن تعدية بـ إلى ليفيد معنى الإصغاء المفيد نفيه
نفي السماع عَلَى وجه المُبَالَغَة وتهويل المانع قراءة (لَا يَسَّمَّعُونَ) بالتشديد وجه
دلالة القراءة بالتشديد عَلَى المُبَالَغَة في نفي السماع أن معنى (لَا يَسَّمَّعُونَ) بالتشديد أنهم يجتهدون
ويتكلفون الاستماع ومع ذلك لا يقدرون عليه، فإن صيغة التفعل تدل عَلَى معنى التَّكَلُّف والتطلب
والاجتهاد. قوله علة أي للدحور. يعني أن انتصاب دحورًا عَلَى أنه مَفْعُول له لـ يقذفون أو مصدر لأنه
والقذف متقاربان فكأنه قيل يقذفون قذفًا أو يدحرون دحورًا أي يطردون طردًا فيكون من قبيل
قعدت جلوسًا غير أن القعود والجلوس مترادفان والقذف والطرد ليسا كَذَلكَ لأن القذف لغة هُوَ
الرمي والطرد والإبعاد والرمي والإبعاد متقاربان معنى لا مترادفان لكن لما كان الْمُرَاد بالقذف هنا
هو الرمي الْمَخْصُوص وهو رمي الشَّيَاطين بالشهب وهو عين الدحور صح انتصاب دحورًا بـ يقذفون
على المصدر. وفي الكَشَّاف: أو لأن القذف والطرد متقاربان في الْمَعْنَى فكأنه قيل: يدحرون أو قذفًا.
قال الطيبي رحمه الله: هذا من الإيجازات الحسنة أي يقدر يدحرون دحورًا أو يقذفون قذفًا .