نبوته أول بذلك لتصحيح المقارنة بالقضاء الأزلي والتقدير فتقارن الحال صاحبها [حِينَئِذٍ]
ولهذا قال وبهذا الاعتبار وقعا حالين فقضاء نبوته وتقدير كونه من الصَّالحينَ مقارنين
بذي الحال ولا يضره عدم مقارنتهما أي النبوة والصَّلَاح بها فإن القرينة قد قامت عَلَى
أن الْمُرَاد التقدير والقضاء.
قوله: (ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال غير مشروط
بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار المعنى بالحال، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل
عاملا فيهما مثلا وبَشَّرْناهُ بوجود إسحاق أي بأن يوجد إسحاق نبيًا من الصالحين، ومع ذلك
لا يصير نظير قوله: (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) فإن الداخلين كانوا مقدرين
خلودهم وقت الدخول وإسحاق لم يكن مقدرًا نبوة نفسه وصلاحها حيثما يوجد، ومن فسر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
ذكرها في هذه القصة والآخر يخالف بين منتهى هذه القصة لأنها من القصة الأولى التي ختمت بـ(إنا
كَذَلكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ)بين منتهى قصة ليس ما قبلها منها.
قوله: ولا حاجة إلَى وجود المبشر به وقت البشارة الخ. هذا رد عَلَى صاحب الكَشَّاف فيما
قال نبيًا حال مقدرة كقوله: (ادخلوها خالدين) ثم قال فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله:
(فادخلوها خالدين) وذلك أن المدخول موجود مع وجود الدخول والخلود غير
[موجود معهما، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيما، وليس كذلك المبشر به، فإنه معدوم وقت
وجود البشارة، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة؛ لأنّ الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا
بالمحلى، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوّة أيضا بوجوده، بل تراخت عنه
مدّة متطاولة، فكيف يجعل نبيا حالًا مقدّرة، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو
به، فالخلود وإن لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم؛ لأنّ المعنى مقدّرين الخلود،
وليس كذلك النبوّة، فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدّرة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم
إسحاق. قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال: أنه لا بد من تقدير
مضاف محذوف، وذلك قوله: [وبشرناه] بوجود إسحاق نبيا،
أى بأن يوجد مقدّرة نبوّته، فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة، وبذلك
يرجع، نظير قوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) إلَى هنا كلامه. وجه الرد أن قوله:
(نبيًّا) حال مقدرة من إسحاق والعامل في الحال وذي الحال هُوَ بشرنا
والشرط أن يقارن معناها الْفعْل العامل وذي الحال وهَاهُنَا كَذَلكَ فإن تقدير النبوة ولكون من
الصَّالحينَ بمعنى أنهما مقدران ومقضيان في حكم الله الأزلي عند البشارة مقارنًا للبشارة العاملة في
الحال وذيها، وما قاله القاضي رحمه الله في توجيه الحال المقدرة مأخوذ من قول الإمام رحمه الله
حيث قال: ولا يجوز أن يكون الْمَعْنَى (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ) حال كون إسحاق نبيًا
لأن البشارة متقدمة عَلَى صيرورته نبيًا فوجب أن يكون الْمَعْنَى وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ حال ما قدرناه نبيًا
وحال ما حكمنا عليه بكونه نبيًا وإذا كان الأمر كَذَلكَ فحِينَئِذٍ كانت البشارة بشارة بوجود إسحاق
حاصلة بعد قصة الذبح فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: ومن فسر الْكَلَام بإسحاق. وجدت النسخ هكذا ولعل لفظ الْكَلَام واقع سهوًا من
النَّاسخين والواقع من المص لفظ الغلام أي من فسر الغلام في قَوْله تَعَالَى: (فبشرناه بغلام حليم)