رعبهم ؛ إذ الأنامل جزء مَخْصُوص من الأصابع والمعتاد إدخالها دون الأصابع بتمامها فعبر
عها بالأصابع إيذانًا بأنهم يبالغون في إدخال أناملهم لشدة الرعد فكأنهم يدخلون جميعها
مُبَالَغَة في السد ثم إن لم يحمل عَلَى انقسام الآحاد بحمل إضافة الجمع عَلَى الاسْتغْرَاق
فيفيد كمال المُبَالَغَة للإشعار بأن كل فرد منهم يجعل أصابعه العشرة في أذنيه. وهذا وإن كان
محالًا لكن الْمُرَاد التصوير والتمثيل وهذه مُبَالَغَة لا فوقها مُبَالَغَة لكن الظَّاهر أنه من قبيل
انقسام الآحاد إلَى الآحاد مثل ركب القوم دوابهم. وقيل في قوله: (يجعلون) مُبَالَغَة في فرط
حيرتهم من وجوه: أحدها نسبة الجعل إلَى كل الأصابع وهو منسوب إلَى البعض منها وهو
الأنامل. وثانيها من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود أصبع مَخْصُوص وهو السبابة فكأنهم
في فرط دهشتهم يدخلون أي أصبع كانت في آذانهم ولا يسلكون المسلك المعهود. وثالثها
وضع ذلك الجعل مَوْضع الإدخال فإن جعل شيء في شيء أدل عَلَى إحاطة الثاني بالأول
من إدخاله فيه، وهذه دقائق لم يتنبهوا لها انتهى. والوجه الأول مُسْتَفَاد من بيان المص. والثاني
مذكور في الكَشَّاف مع توضيح فيه. وأما الثالث فغير مُتَعَارَف فلا بد من بيانه من الثقات
قال المص في أوائل سورة الأنعام والجعل فيه معنى التَّضْمين وهذا أَيْضًا ليس بمناسب هنا
بل الجعل هنا بمعنى صير وهو يفيد الانتقال من حال إلَى حال في بعض المواضع ولتغير
حالهم اخْتيرَ الجعل واخْتيرَ الْمُضَارِع إما للاسْتمْرَار أو لحكاية الحال الْمَاضية اسْتحْضَارًا
لتلك الحالة الشديدة الشنيعة. ثم هنا احتمالات ثلاثة: مجاز لغوي ذكر الكل وإرادة الجزء
كما في كتب الْمَعَاني. أو مجاز عقلي بإسناد ما للبعض إلَى الكل. ومجاز في الحذف أي
يجعلون أنامل أصابعهم. وخير الأمور أوساطها ؛ إذ المُبَالَغَة إنما يتأتى إذا كانت الأصابع باقية
على حقيقتها وقد صرحوا بأن الْمَجَاز العقلي أبلغ من الْمَجَاز اللغوي وإن كانت المُبَالَغَة
متحققة في الْمَجَاز اللغوي المرسل باعْتبَار أن تبادر الذهن إلَى الْمَعْنَى الحقيقي قبل النظر
إلى القرينة [ومن] هنا قال أهل البيان الْمَجَاز أبلغ من الْحَقيقَة وهنا يتبادر الذهن إلَى الأصابع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
وارد لكن الْجَوَاب ليس بصحيح لما ذكره شيخي رحمه الله، ولعل الصواب فيه أن يقال جاء عَلَى ما هو
المُتَعَارَف في مثله من العبارة لا عَلَى ما يقع منه فإن وقوع سد الأذن في العرف وإن كان بالسبابة لكن
التَّعْبير عنه إنما هُوَ بلفظ الأصبع. أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْله صلى الله عليه وسلم لبلال اجعل أصبعيك في أذنيك
وكان يجعل المسبحة لا غير. وقوله فهلا ذكره بعض هذه الكنايات. قال صاحب الانتصاف ما معناه: إن من
الكنايات المسبحة. وكَيْفَ يمكن وصف أصابع الْمُنَافقينَ بالمسبحة ولم تسبح قط. وأَيْضًا الغرض إيصال
الْمَعَاني إلَى الأذهان وتصويرها بصورة المحسوسات وهو خليق بذكر الصرائح دون الكنايات .