قوله: (والْجُمْلَة اعتراضية لا محل لها) هذا مسلك الزَّمَخْشَريّ فإنه اختار جواز كون
وقوعه في آخر الْكَلَام وتبعه الْمُصَنّف كذا قيل. لكن الظَّاهر أن مراده ما قاله أبو حيان من أنها
دخلت بين هاتين الجملتين (يجعلون أصابعهم) و (يكاد البرق)
وهما من قصة واحدة فيكون موافقًا لما ذهب إليه الْجُمْهُور من أنه واقع باستثناء الْكَلَام أو بين
الْكَلَامين المتصلين معنى. والنُّكْتَة فيه التنصيص عَلَى كفرهم وعدم خلاصهم من عذاب الله
تَعَالَى وأخذه بوجه من الْوُجُوه. قوله لا يخلصهم الخداع الخ. فيه نوع رمز إلَى أن المراد
المُنَافقُونَ ؛ إذ الحيل والخدع من أوصافهم [فتكون] اللام للعهد، لكن قد عرفت أنها للجنس وأن
الْمُنَافقينَ يدخلون فيهم دخولًا أوليًّا؛ فلذا تعرض لبيان الخداع، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْلُه تَعَالَى في
سورة [البروج] : (والله من ورائهم محيط) وأَيْضًا الكيد والحيلة الخ. لا يَخْتَصُّ
بالْمُنَافقينَ وقد نص في الْقُرْآن كيد ما عداهم قال الله تَعَالَى: (إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والْجُمْلَة اعتراضية اعترض عليه الطيبي بأن قال كَيْفَ يصح أن تقع معترضة وهي
لتأكيد معنى المعترض فهما والْكَلَامان اللذان اعترضت هذه فيهما في شأن ذوي النصب وهو
الممثل به. ومضمون هذه الْجُمْلَة بعض أحوال الْمُنَافقينَ الممثل ، وقال قالا وجه أن يقال إن قوله
تَعَالَى: (بالْكَافرينَ) من وضع المظهر مَوْضع المضمر إشعارًا باستبهال ذوي الصيب
ذلك يعني العذاب لكفرانهم. نعم الله ومثل هذا التتميم في المشبه به مما يقوي المقصود في التمثيل
من المُبَالَغَة قَوْلُه تَعَالَى(مَثَلُ مَا يُنْفقُونَ في هَذه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَل ريحٍ فيهَا صرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ
قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ)عقوبة عَلَى معاصيهم لأن الإهلاك عن منحطه
أبلغ وأشد. وقال الفاضل أكمل الدين في اعتراض الطيبي نظر لأن قَوْلُه تَعَالَى:(والله محيط
بالْكَافرينَ)يمكن أن يكون تأكيد الْمَعْنَى قَوْلُه تَعَالَى(يَجْعَلُونَ أَصَابعَهُمْ في آذَانهمْ
منَ الصَّوَاعق حَذَرَ الْمَوْت)لأن الحذر عن الموت لا ينفع لأنه يدركهم لا محالة ولا
يفوتونه إليه أشار إليه قوله تَعَالَى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْركْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)
[وح] يصلح قَوْلُه تَعَالَى: (وَاللَّهُ مُحيطٌ بالْكَافرينَ) بالتَّفْسير الْمَذْكُور
اعتراضًا فيه معنى التَّأْكيد. أقول: هذا النظر لا ينافي ما ذكره الطيبي من الوجه الْمَذْكُور فإن حاصل
اعتراض الطيبي أن الْجُمْلَة المعترضة تكون لتأكيد معنى كلام اعترضت هي فيه، وهذه الْجُمْلَة أعني
جملة (وَاللَّهُ مُحيطٌ بالْكَافرينَ) واردة في شأن المَعْنَيَيْن وهم المُنَافقُونَ والْكَلَام الذي
جيئت هذه الْجُمْلَة عقيبه وارد في شأن الممثل بهم وهم أصحاب الصيب فهي غير صالحة لتأكيد
مضمون ذلك الْكَلَام؛ لأن ما وقع في شأن قوم لا يصلح أن يؤكد ما وقع في شأن قوم آخرين فهي
بمعزل عن التَّأْكيد الذي هُوَ فَائدَة الْجُمْلَة الاعتراضية ، ثم بين وجه كونها صالحة لأن تقع اعتراضا
بين الْكَلَامين بيان حقق أن مفهومها أَيْضًا إنما هُوَ في شأن الممثل بهم وهو أصحاب الصيب فإن
قوله: (يَجْعَلُونَ أَصَابعَهُمْ في آذَانهمْ منَ الصَّوَاعق حَذَرَ الْمَوْت) اسْتئْنَاف وارد في
شأن أصحاب الصيب وجملة (وَاللَّهُ مُحيطٌ بالْكَافرينَ) واردة أيضًا في شأنهم دون شأن
الْمُنَافقينَ حيث أريد بالْكَافرينَ ذو الصيب لكن سكت الطيبي بعد هذا التحقيق عن بيان تأكيد هذه
الْجُمْلَة لمضمون ذلك الاسْتئْنَاف اعتمادًا عَلَى فهم ذي لب لظهوره بعد الوقوف عَلَى أنهما واردان في
شأن قوم واحد. والفاضل أكمل الدين أظهر وبين ما سكت عنه الطيبي تفويضًا إلَى الفهم .