ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه، ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق) إذ لا
موجود الخ. تعليل لكون الاصطفاء من المخلوق حيث قال تَعَالَى:(مما يخلق ما
يشاء)ولم يقل لاصطفى ما يشاء؛ إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له فلو
أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق ما يشاء عَلَى أنه ولد له لكن التالي باطل
فالمقدم مثله إما بطلان التالي فلأن من البين الجلي أن المخلوق لا يماثل الخالق حتى
يقوم مقام الولد له؛ إذ من حق الولد أن يجانس والده ولا تجانس بين الخالق والمخلوق
لكون الخالق واجبًا وجوده ممتنعًا عدمه والمخلوق ممكن الوجود والعدم، وأما بطلان
المقدم فلأن انتفاء اللازم وامتناعه يستلزم امتناع الملزوم فيمتنع الإرادة فضلًا عن
الاتخاذ وكلمة لو هنا لامتناع الأول لامتناع الثاني مثل قَوْلُه تَعَالَى:(لو كان فيهما آلهة
إلا الله لفسدتا)وهذا مستعمل في الاستدلال وهذا ليس من قبيل:"نِعْمَ"
العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"لأنه غير مستعمل في مقام الاستدلال بقرينة أن"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يَخْتَصُّ الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالْمَلَائكَة ولا
خفاء في أن هذا الاصطفاء ليس من اتخاذ الولد في شيء فإذن [محال] أن يتخذ ولدًا. وتلخيصه أنه لو
أراد أن يتخذ ولدًا لكانت الطريق إلَى ذلك ما يمتنع أن يكون طريقا وهو اصطفاء الْمَلَائكَة لعبادته
وإليه الإشَارَة بقوله لو أراد اتخاذ الولد لم يزد عَلَى ما فعل، ونظيره من حيث المُبَالَغَة قَوْلُه تَعَالَى:
(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) قال أريد أن يقال: لا يذوقون فيها
الموت ألبتة فوضع قوله (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) مَوْضع ذلك لأن الموتة الأولى [محال] ذوقها في المستقبل.
وأقول المفهوم من كلام صاحب الكَشَّاف أن للولد لازمين الأول مجانسته للوالد، والثاني اخْتصَاصه
له وتقربه منه فملخص الْمَعْنَى عَلَى ما قرره: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لم يتأت له من الْمُرَاد إلا
الشق الثاني وهو الاخْتصَاص والاصطفاء لعبادته وتقريبه منه لاستحالة الشق الأول عليه؛ إذ لا
مجانسة بين الخالق والمخلوق ولا مماثلة بين الواجب والممكن وقد فعل الله ذلك الْفعْل المتأتي
له وهو الاصطفاء فزعم الكفرة من ذلك الْفعْل أن هَؤُلَاء المصطفين أولاده ثم توغلوا فقَالُوا هَؤُلَاء
بناته. فما ذكره صاحب الكَشَّاف من التحقيق مبني عَلَى أن كلمة لو بمعنى أن الشرطية لا التي
تستعمل في مقام الاستدلال كما في قوله عز وجل (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)
وصاحب التقريب زعم أن صاحب الكَشَّاف جعلها مما يستعمل في مقام الاستدلال فأشكل
عليه تخريج كلام الكَشَّاف عَلَى معنى لو الاستدلالية فقال: وفي تحقيق معنى التلازم ونفي اللازم
وإثبات نفي الملزوم نظر. أقول: يمكن أن يوجه معنى الْكَلَام عَلَى جعل لو للاستدلال بأن يقال
محصول الْمَعْنَى لو اتخذ الله ولدًا لاتخذه من المخلوق لكن اتخاذ الولد من المخلوق ممتنع وهذه
صورة قياس استثائي مركب من شرطية لزومية موجبة ومن مقدمة استثانية سالبة للتالي طويت
مقدمته الاستثنائية والنتيجة نقيض المقدم قد أفادت الشرطية ضمنًا أنه تَعَالَى لم يتخذ ولذا من جنس
الواجب الخالق؛ إذ ليس في الوجود واجب آخر وأفادت المقدمة الاستثنائية أنه سبحانه لم يتخذ
ولدًا من جنس الممكن المخلوق لعدم المجانسة ولا بد بين الولد والوالد من الجنسية فلما امتنع
اتخاذه تَعَالَى الولد من جنس الواجب ولا من جنس الممكن ثبت أنه سبحانه يمتنع أن يتخذ ولدًا
قطعًا وهو المطلوب.