النحاة عدوه معنى آخر مغايرًا لما هُوَ مستعمل في مقام الاستدلال وصرح به النحرير في
المطول. ومن سلم صحة اسْتعْمَاله هنا في الاستدلال لا يسوغ له تَجْويز كونه من قبيل: لو
لم يخف الله لم يعصه. وبالعكس لكن الاستدلال صحيح فلا مساغ للعكس. وفي الكَشَّاف:
يعني لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح لكونه محالًا ولم يتأت إلا أن يصطفي من
خلقه بعضه كما فعل بالْمَلَائكَة فزعمتم أنهم أولاده جهلًا منكم. وقال صاحب الكشف
في حله: الْمَعْنَى لو أراد اتخاذ الولد لامتنع أن يريده، فالضَّمير راجع إلَى ما دل عليه أراد
لا الاتخاذ. وحاصله لو أراد اتخاذ الولد امتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع وهو اتخاذ
الولد ولا يجوز عَلَى الباري إرادة الممتنع لأنها أي الإرادة ترجح بعض الممكنات.
وأصله لو اتخذ الولد امتنع فعدل إلَى ما ذكر لأنه أبلغ ثم حذف الْجَوَاب وجيء بدله
بقوله لاصطفى تنبيهًا عَلَى أنه هُوَ الممكن دون الأول فلو كان هذا من إيجاد الولد في
علمه لجاز وليس منه كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم
أي ضيوفهم.
يعاب بنسيان الأحبة والوطن
انتهى. وما يستفاد من تقرير المص أنه لم يرض ما في الكَشَّاف ولا ما في الكشف لأن
قوله ولا يجوز عَلَى الباري إرادة الممتنع مسلم في الإرادة المحققة فإن تعلقها بالممتنع
محال، وهنا ليس كَذَلكَ بل هي مفروضة والممتنعات يفرض وقوعها لإبطال أمر آخر كقوله
تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) الآية. وقوله:(لو كان فيهما آلهة إلا
الله لفسدتا)ونظائره كثيرة ولما فرض للرحمن ولد الخ. وفرض وجود
آلهة غير الله تَعَالَى في العالم للاستدلال عَلَى انتفاء التالي فرض هنا أَيْضًا وجود إرادة
الله اتخاذ ولد لإبطال التالي والمقدم، والْقَوْل بجواز ذلك في مثل الْآيَتَيْن دون هنا تحكم
بحت، فالْمَعْنَى عَلَى ما فهم من تقرير المص لو أراد اللَّه أن يتخذ ولدًا كما زعم
المشركون لاصطفى مما يخلق ما يشاء عَلَى كونه ولدًا له؛ إذ لا موجود سواه إلا وهو
مخلوقه لقيام الدلالة الخ. لكن الثاني باطل؛ إذ المخلوق لا يماثل الخالق كما بيناه، ومن
حق الولد أن يماثل الوالد فلما بطل التالي بالبرهان الْمَذْكُور بطل المقدم وهذا التحقيق
من سوانح الزمان والله المستعان.
قوله: (فيقوم مقام الولد له) الظَّاهر أن مراده أن من شأن الولد أن يقوم مقام الوالد
بعده ولو اتخذ الولد من جنس المخلوق لقام مقام الولد له، أو مراده نفي الولد له بطَريق
أبلغ لأنه إذا نفى ما يقوم مقام الولد له لزم نفي الولد بطَريق الأولوية فلا إشكال بأن
الْمُشْركينَ أثبتوا له نفس الولد لا ما يقوم مقامه وبأن المقتضي للمماثلة الولد لا ما يقوم
مقامه ولو [أريد] بقوله (اتخذ الله ولدًا) التبني، كَمَا صَرَّحَ به المص في سورة
يونس لكان التَّعْبير بأن يقوم مقامه أظهر، لكن كلامه هنا لا سيما قوله فضلًا عن التوالد آبٍ