لنفاد الدمع بكثرة البكاء لشفاء الجوى ولا يضره كون الْكَلَام في مَفْعُول المشيئة لأن
مَفْعُولها هُوَ البكاء المتعلق بالْمَفْعُول. والْجَوَاب إن كان قرينة كان قرينة عَلَى البكاء المقيد لا
المطلق فإن نظر إلَى المعتاد كان الْمَعْنَى ما ذكر وهو لو شئت أن أبكي دمعًا لبكيت دمًا بلا
اختيار وإن نظر إلَى الْجَوَاب كان الْمَعْنَى ولو شئت أن أبكي لبكيت دمًا فلا بد من ذكر
الْمَفْعُول وهو البكاء المقيد دفعًا للتوهم. قيل قائل هذا البيت أبو يَعْقُوب الجريمي يرثي
بقصمدته جريم بن عامر المري. وفي شرح شواهد الْمَعَاني يرثي لها الله ليثًا وآخره عليه
ولكن ساحة الصبر أوسع. ثم قال وما في بعض الحواشي من أنه للبحتري كأنه من تحريف
النَّاسخ والبكاء الدمع مع الحزن أو مطلق الدمع والْقَوْل الأول بناء عَلَى الأكثر وإلا فالبكاء
قد يكون مع السرور حتى قَالُوا الدمع يكون حارًا مع الحزن وباردًا مع السرور بكاء البكر
حين الاستئذان إن رد كان الدمع حارًا وأذن إن كان باردًا وجه كون دمعة السرور وباردة هو
أن سبب البكاء ارتفاع أبخرة يعصرها ما في الدماغ من الرطوبات حتى يتسل وتلك الأبخرة
تكون حرارتها عند الحزن أشد لعدم انتشارها كما في الظَّاهر عَلَى البشرة ثم إنه إذا كان
جواب لو نفيا كقَوْله تَعَالَى: (ولو شاء الله ما اقتتل الَّذينَ) وقَوْلُه تَعَالَى:
(لو شاء الله ما أشركنا) وقَوْلُه تَعَالَى: (ولو شاء ربك ما فعلوه)
لا يكون الْمَفْعُول المقدر من جنس الْجَوَاب لأن المشيئة والإرادة لا تتعلق
بالإعدام الأَزَليَّة وإلا لكانت تلك الإعدام حادثة قال قدس سره في شرح المواقف لأن
استناد العدم إلَى مشيئة القادر يقتضي حدوثه كما في الوجود فيلزم أن لا يكون عدم العالم
أزليًا انتهى. ولهذا قدر المص في الآية الأولى هكذا ولو شاء هداهم ما اقتتلوا وفي الآية.
الثانية قال: لو شاء الله توحيدهم ما أشركوا وفي الآية. الثالثة لو شاء إيمانهم ما فعلوه عَلَى
أن ما ذكره المص مآل الْجَوَاب ولازمه فإنه كثيرًا ما يعبرون عن النفي بالْإثْبَات اللازم كقوله
تَعَالَى: (فَمَا رَبحَتْ تجَارَتُهُمْ) أي خسرت تجارتهم وما وقع في قوله
تَعَالَى: (يريد الله ألا يجعل لهم حظًا في الْآخرَة) فمأول بمثل ما
ذكرناه أي يريد الله أن يجعل لهم حرمانًا أو عذابًا وكذا نظائره .
قوله:(ولو من حروف الشرط فظاهرها الدلالة عَلَى انتفاء الأول لانتفاء الثاني ضرورة
اننقاء الملزوم عند انتفاء اللازم)تفريع عَلَى كون لو من حروف الشرط وفي نسخ معتمدة
بالواو كما هُوَ الظاهر. والْمَعْنَى وظَاهر لو في هذه الآية. الدلالة الْمَذْكُورة مستعملة هنا بطريق
الاستدلال كما في قَوْله تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فيهمَا آلهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فإنها
لنفي تعدد الآلهة لامتناع الفساد أي الاستدلال عَلَى انتفاء تعدد الآلهة بانتفاء فساد العالم
فيكون لانتفاء الأول لانتفاء الثاني وهذا مختص بمقام الاستدلال وهو مسلك ابن الحاجب
والمص حمل ما نحن فيه عليه فقال وظَاهر لو هنا الدلالة عَلَى انتفاء الأول لانتفاء الثاني
أي الاستدلال عَلَى انتقاء الشرط بانتفاء الْجَزَاء ؛ إذ انتفاء ذهاب سمعهم وأبصارهم يفيد العلم
بانتفاء مشيئته تَعَالَى إياه فإن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم ضرورة وبداهة سواء كان
اللازم عامًا أو مساويًا للملزوم. وإليه أشار بقوله انتفاء الملزوم وقد يستعمل لو لانتفاء الثاني