أمواتًا أولًا أي من غير سبق حياة حيث خلقتنا نطفًا ثم علقًا ثم مضغة ثم لحومًا وعظامًا
بمعنى قدرت خلقنا هكذا أو خلقت أجزاءنا الأصلية مَجَازًا أو خلقت مبدأنا ثم صيرتنا
أمواتًا بعدما صيرتنا أحياء .
قوله: (فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء) فتكون الإماتة في الموضعين
واحدًا حقيقيًا كما هُوَ ظَاهر كلامه، ويرد عليه أن إطلاق الميت عَلَى الجماد يلزم أن يكون
حَقيقَة ولم يقل به أحد وأنه مخالف لما مَرَّ منه في قَوْله تَعَالَى:(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ
أَمْوَاتًا)الآية .
قوله:(بتصيير كالتصغير والتكبير، ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر
الفيل)كالتصغير والتكبير في جواز إطلاق الابتدائي والتصيير ولذلك قيل سبحان من صغر
البعوض الخ. استدلال عَلَى إطلاق التصغير والتكبير عَلَى الابتدائي. والْمَعْنَى سبحان من
جعل البعوض صغيرًا مع أنه خلقه صغيرًا ابتداء لا أنه خلقه كَبيرًا ثم جعله صغيرًا وكذا
الْكَلَام في قوله وكبر الفيل فكما يصح هذا يصح ذلك، ولا كلام في صحة ذلك، وإنَّمَا الْكَلَام
في كون ذلك حَقيقَة فيهما، وكذا ضيق فم البئر. وقد ذهب السكاكي تبعًا للزمخشري كما بينه
قدس سره في شرح المفتاح بما حاصله أنه جعل السعة المجوزة في المثال الثاني كالواقعة
ثم أمر بتغييرها إلَى التضييق. وحاصله أنه جعل الممكن الذي يجوز إرادته بمنزلة الواقع
وجعل أمره بإنشائه عَلَى الحالة الثانية بمنزلة أمره بنقله عن غيرها وتغييرها منها ولذا جعله
بعضهم بمنزلة الاسْتعَارَة بالكناية فيكون مَجَازًا مرسلًا بالكناية كذا نقله بعضهم، والْمَجَاز
المرسل بالكناية غير مُتَعَارَف عندهم وهنا كلام طويل ليس في ذكره كثير طائل. والأَولى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
في ذلك المعنى والجمع بين معنيي اللَّفْظ المشترك في إطلاق واحد إن كان حَقيقَة فيهما اللهم إلا
أن يصار إلَى عموم الْمَجَاز. وفي الكَشَّاف فإن قلت: كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا: إماتة؟ قلت:
كما صح أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل! وقولك للحفار: ضيق فم الركية
ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من
سعة إلى ضيق. وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان
معًا على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد
الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه
كنقله منه. وهذا هُوَ معنى قوله رحمه الله وإن خص بالتصيير فاختيار الْفَاعل الْمُخْتَار أحد مقدوريه
تمييز وصرف له عن الآخر. وقال صاحب الكَشَّاف في تفسير اثنتين إماتتين أو إحياءتين أو موتتين
وحياتين وأراد بالإمالتن خلقهم آمن اتًا أولًا واماتتهم عند انقضاء آجالهم وبالإحياءتين الإحياءة
الأولى وإحياءة البعث وناهيك تفسيرا لذلك قَوْلُه تَعَالَى:(وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ)ثم قال: ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر
لزمه إثبات ثلاث إحياآت، وهو خلاف ما في القرآن، إلا أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتدّ بها. أو
يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور، [وتستمرُّ] بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها، ويعدّهم في المستثنين من
الصعقة في قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) . إلَى هنا كلامه .