الحكماء ذهبوا إلَى مقدم الشرطية الأولى دائم الوجود والوقوع ومقدم الشرطية الثانية دائم
الانتفاء. وأما المتكلمون فقد ذهبوا إلَى أن الشرطيتين محمولتان عَلَى ظاهرهما، فكما أن مقدم
الشرطية الأولى واقع كَذَلكَ مقدم شرطية الترك واقع، فمذهب القائل قرينة قوية عَلَى معنى قوله
فمعنى هذا الْقَوْل هنا ما ذكره المتكلمون فيكون حاصله والقادر هُوَ الذي يصح منه الْفعْل والترك
وهو عين مذهب الْمُتَكَلّمينَ، فلا وجه للإشكال بأن هذا الْمَعْنَى إصلاح للحكماء .
قوله: (والقدير الفعال لما يشاء) ومعنى الفعال هُوَ المتمكن من الْفعْل تمكنًا تامًا أو
ذو صفة مقتضية للتمكن التام ، فإن التقدير كالقادر صيغة مُشْتَقَّة، ومأخذ الاشْتقَاق معتبر فيها
وتفسير القدرة بأي تفسير كان معتبر فيها ولظهور ذلك تسامح في العبارة وعبر بالفعال لأن
المُبَالَغَة في تلك الصّفَة لكونها أمرًا خفيًا لا تعلم إلا بالآثار والمُبَالَغَة فيها، ومن هذا ذكر
الفعال بدل المتمكن التام ، ووضع الأثر الظَّاهر مَوْضع ذي أثر خفي كثير شانع جلي. قوله
(عَلَى ما يشاء) أي عَلَى قدر ما تقتضيه الْحكْمَة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه. وحاصله عَلَى
وفق ما يشاء ولا يكون إلا عَلَى قدر ما تقتضيه الْحكْمَة، فإنه تَعَالَى راعى الْحكْمَة والمصلحة
وإن لم يجب عليه قوله (ولذلك قلما يوصف به غير الباري تَعَالَى) القلة إما بمعنى العدم
فالْمَعْنَى ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تَعَالَى أو بمعناه الظَّاهر قيل. . قال الرَّاغب:
محال أن يوصف غير الله تَعَالَى بالقدرة المطلقة يعني بل حقه أن يقال قادر عَلَى كذا
والقدير هُوَ الْفَاعل لما يشاء عَلَى قدر ما تقتضيه الْحكْمَة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولذلك
لا يصح أن يوصف به إلا الله تَعَالَى والمقتدر يقاربه لكنه قد يوصف به البشر وإذا استعمل
في الله تَعَالَى فمعناه القدير، وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة
انتهى. ومنه أخذ الْمُصَنّف ملخصًا ثم قَالَ فيه نظر لأن المُبَالَغَة أمر نسبي لا يلزم أن يكون
بالْمَعْنَى الْمَذْكُور، ولو تتبعت كلام العرب وأهل اللغة لم تجده مختصًا به تَعَالَى، ولذا وقع في
بعض النسخ قلما يوصف به غير الباري تَعَالَى، وكأن الْمُصَنّف أصلح به ما في النسخة
الأولى انتهى. فحمل القلة عَلَى معنى يقابل الكثرة، والظَّاهر معنى العدم والله تَعَالَى أعلم إذ
كلام الرَّاغب مرغوب ولا يفيد الإحالة إلَى التتبع ما لم ينقل عن العرب الموثوق به عدم
اخْتصَاصه به تَعَالَى، ثم هذا بيان عَلَى مقتضى العربية وإلا فصيغة المُبَالَغَة في صفاته تَعَالَى
وغيرها سواء، فإن معنى القادر هُوَ معنى التقدير بعينه ومعنى العلام والعليم والعالم واحد
صرح به شراح الْحَديث فتأمل وكن عَلَى بصيرة .
قوله: (واشْتقَاق القدرة) أي أخذه (من القدر) وقد سبق في قوله الرعد من الارتعاد
أن الأخذ أعم من الاشْتقَاق يجري في الجوامد وفي أخذ الثلاثي المجرد من المزيد لكونه