الْمُنَافقينَ) الْمَذْكُورين في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَل الَّذي اسْتَوْقَدَ نَارًا) (بالمستوقدين) فيكون من
قبيل التشبيه المفروق. وجه الشبه أنهما في صدد تَحْصيل مطلب بفرط إتعاب مع الحرمان
إلى وصوله (وإظهارهم) أي وبأن تشبه إظهار (الإيمان باستيقاد النَّار) في أن كلا منهما
سبب للخلاص عن الظلمة أو للوصول إلَى المأرب(وما انتفعوا به من حقن الدماء
وسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك)أي وأن تشبه ما انتفعوا به في برهة من الزمان
(بإضاءة النَّار ما حول المستوقدين) في مطلق الانتفاع. واختار هنا كون أضاءت في قوله
(فلما أضاءت) متعديًا ومرجع الضَّمير في أضاءت النَّار وقد ذكر هناك
وجوهًا أخر (وزوال) أي وأن تشبه زوال (ذلك) أي حقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد
(عنهم عَلَى القرب بإهلاكهم) متعلق بزوال ذلك أي بإهلاك بعضهم بالموت دون القتل إذ
لم ينقل قتلهم وجهادهم (وبإفشاء حالهم) ممن لم يموتوا (وإبقائهم) عطف عَلَى الزوال
(في الخسار الدائم) أي في الدُّنْيَا حيث كانوا مطرودين عن مجالسهم الشريفة ومحقرين
عندهم بعد ما كانوا معظمين لديهم بإظهار الإيمان والإقرار باللسان، والْمُرَاد بزوال ذلك
زوال بعض ذلك من حرمان الغنيمة والمنع عن الخروج إلَى الغزوة والصلاة عليهم حين
موتهم والحضور إلَى قبورهم قال تَعَالَى(وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ منْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ
عَلَى قَبْره)الآية. وأما كون دمائهم محقونة وأموالهم وأولادهم سالمة فباقٍ
لا زوال له (والعذاب السرمد) هُوَ عذاب الْآخرَة المؤبد (بإطفاء نارهم) متعلق بأن تشبه
المقدر في فوق وزال ذلك (و) الْمَذْكُور في النظم الجليل (الذهاب بنورهم) ولما كان
إطفاء نارهم لازمًا له اقتضاء ذكره. وجه الشبه بَيْنَهُمَا حرمان انتفاع بعد حصوله في الْجُمْلَة
وفي الكَشَّاف شبه إظهار الإيمان بالإضاءة. والْمُصَنّف عدل عنه وقال شبه ذلك بالاستيقاد
أي الإيقاد ؛ إذ المشبه بالإضاءة هُوَ الانتفاع بالكلمة المجراة عَلَى ألسنتهم كما أن الإضاءة
يحصل به الانتفاع دون الاستيقاد وإن كان سببًا بعيدًا للانتفاع، ولعل الزَّمَخْشَريّ نظر إلَى
ذلك فشبه إظهار الإيمان به ولو وجه في الْجُمْلَة لكن ما اختاره الْمُصَنّف أرجح، ثم إنه
قال شبه زوال النفع بإطفاء النَّار سلوكًا لصفة الاحتباك فإنه يفيد كلامه أن زوال النفع يشبه
بانطفاء النَّار وإزالة النفع مشابه لإطفاء النَّار فلو قال الإزالة بدل الزوال أو الانطفاء بدل
الإطفاء لخلا عن تلك الفَائدَة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
هو التحقيق. والْمُصَنّف رحمه اللَّه اختار ما هُوَ الأولى والأصوب ولعل هذا هُوَ السر في تربيعه
القسمة في بيان تفريق التشبيه في التمثيل الأول مع أن صاحب الكَشَّاف ثلثها. وأقول جعل رحمه الله
المشبه في الرابع زوال النفع والمشبه به إطفاء النَّار وفيه مسامحة لعدم التناسب بين طرفي التشبيه
فالأولى أن يجعل المشبه الإزالة أو يجعل المشبه به الانطفاء .
قوله: بإهلاكهم أو بإفشاه حالهم ناظر إلَى الوجه الثاني من وجهي تفسير في التمثيل الأول وهو
قوله: أي مثل لإيمانهم من حيث إنه يعود عليهم بحقن الدماء وكذا ما قبله من قوله: وما انتفعوا به
من حقن الدماء الخ.