الحر غلب عَلَى السموم والسموم حر نار تنفذ في المسام، وشبه العالم بالحي والجاهل
بالميت والآية من قبيل الاسْتعَارَة المصرحة لكن لابتنائها عَلَى التشبيه وإن تناسى فيها
أوردها مثالًا للتشبيه الْمَذْكُور(وقول امرئ القيس:
كأنَّ قلوبَ الطير رَطْبًا ويابسا)
ونظير لما نحن فيه فإنه يأتي أولًا المشبهات بالعطف ثم المشبه به كَذَلكَ أو يسمى
التشبيه الملفوق. والْمَعْنَى كأن قلوب الطير رطبًا بعضها ويابسًا بعضها (لَدَى وكرها) أي عند
مكان العقاب أكده (العُنَّابُ) بضم العين وتشديد النون (والحشفُ) وهو إرداء التمر (البالي)
شبه الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب واليابس العتيق منها بالحشف البالي، ولا يخفى
عليك أنه ليس لاجتماعهما هيئة مَخْصُوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها وكذا في قَوْله تَعَالَى
(وما يستوي الأعمى) ليس لاجتماع تلك الأمور هيئة مَخْصُوصة يعتد بها
ويقصد تشبيهها فيحسن فيهما تشبيه المفرد بالمفرد بخلاف ما نحن فيه فإنه بحسن اعتبار
الهيئة من الأمور المجتمعة ؛ ولهذا زيف كونه من قبيل التمثيلات المفردة ورجح كونه تمثيلا
لما فيه من المُبَالَغَة والبلاغة .
قوله: (بأن يشبه في الأول) متعلق بجعلهما، والْمُرَاد بالأول التمثيل الأول (ذوات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: كأنَّ قلوبَ الطير. البيت. الحشف: إرداء التمر والبالي من بلي الشيء بلاء بفتح الباء وبلى
بكسرها يصف بازيًا بصيد الطيور. ورطبًا ويابسًا حالان، والعامل معنى التشبيه في كأن كقولك كأنك
مقاتلًا الأسد أي أشبهك بالأسد في حال القتال .
قوله: بأن يشبه الخ. الباء متعلقة بالجعل في قوله ويمكن جعلهما أي ويمكن أن يجعلا من
باب التشبيه المفرد بأن يشبه في التمثيل الأول ذوات الْمُنَافقينَ الخ. والحاصل أن للمستوقدين ذواتا
وثلاث حالات. الحالة الأولى الاستيقاد. والثانية إضاءة نارهم ما حولهم. والثالثة انطفاء نارهم، وكذا
للْمُنَافقينَ ذوات وثلاث حالات. [الأولى] إظهار الإيمان بإزاء الاستيقاد. والثانية حقن الدماء وسلامة
الأموال والأولاد وغيرها مما ينتفعون بسَبَب إظهار الإيمان بإزاء الإضاءة لما حوله. والثالثة زوال
ذلك عنهم عن قريب بإزاء انطفاء النار، فشبهت تلك الأربعة بهذه الأربعة. وجه الشبه بين طرفي كل
واحد من هذه التشبيهات ظَاهر فإنه في التشبيه الأول الوقوع في الحيرة والدهشة، وفي الثاني
التسبب إلَى حصول المرام، وفي الثالث كونه خيرًا وصلاحًا لمباشر الْفعْل ولما عنده، وفي الرابع
الانمحاء والفناء بسرعة بعد حصوله زمانًا قليلًا. هذا جعل الْمُصَنّف إظهار الإيمان مشبهًا بالاستيقاد
وصاحب الكَشَّاف بالإضاءة. قيل في الثاني نظر والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وإظهارهم الإيمان بالاستيقاد
وانتفاعهم بالإضاءة لأن الْمُنَافقينَ إذا شبهوا بالمستوقدين ففعلهم وهو إظهارهم الإيمان يكون
كالاستيقاد لا محالة وما يحصل لهم بإظهارهم الإيمان يكون كالإضاءة الحاصلة من الاستيقاد هذا