ولهذا صرح صاحب المفتاح في تشبيه المركب بالمركب بأن كلًا من المشبه والمشبه به
هيئة منتزعة وكذا الْمُرَاد بتركيب وجه الشبه وعبر المص عن الهيئة بالكيفية قوله(حتى
صارت شَيْئًا واحدًا)بسَبَب الهيئة فإن الهيئة الاجتماعية تصير أمورا كثيرة واحدة(بأخرى
مثلها)وفيه تنبيه عَلَى أن الهيئة إذا شبهت بالمفرد لم يكن تمثيلا وإن نوقش في إمكانه.
قوله: (كقَوْله تَعَالَى:(مثل الَّذينَ حملوا التَّوْرَاة ثم لم يحملوها)
الآية) أورده لظهور التمثيل فيه كما قرره بقوله(فإنه تشبيه حال الْيَهُود في جهلهم بما معهم
من التَّوْرَاة بحال الحمار). والْمَعْنَى (مثل الَّذينَ حملوا التَّوْرَاة) أي علموها
وكلفوا العمل بها ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بما فيها من الآيات التي من جملتها الآيات
الناطقة بنبوة رسول اللَّه عليه السَّلام ولم ينتفعوا بها فظهر من هذا أن الْمُرَاد حال أحبار
الْيَهُود، والْمُرَاد بجهلهم معاملة جهلهم فإن العلم الخالي عن العمل ملحق بالجهل، وَأَيْضًا في
هذا التَّعْبير حسن الازدواج بقوله (في جهله بما يحمل من أسفار الْحكْمَة) أي من كتبها.
قوله: (والغرض منهما) أي المصلحة والْحكْمَة ولم يرض بعضهم بهذا التَّفْسير فقال
أي المقصود. والْمَعْنَى الْمُرَاد وليس الْمُرَاد ما يترتب عَلَى الشيء حتى يفسر بالْحكْمَة
والمصلحة لأن أفعاله تَعَالَى لا تعلل بالأغراض كما قيل انتهى. واسْتعْمَال الغرض في الْمَعْنَى
الْمُرَاد غير مُتَعَارَف ما لم يكن مترتبًا عَلَى الشيء وترتب(تمثيل حال الْمُنَافقينَ من الحيرة
والشدة)عَلَى الوجه الْمَذْكُور عَلَى التمثيلين مُطْلَقًا مما لا يخفى عَلَى أحد (بما يكابده) قوله
(من انطفأت ناره بعد إيقادها في ظلمة) مَفْعُول التمثيل بتقدير اللام أو الباء مع تقدير الحال
كما أشار إليه بقوله (أو بحال من أخذته السماء) إشَارَة إلَى التمثيل الثاني، والْمُرَاد منَ السَّمَاء
المطر وهو مجاز مَشْهُور (في ليلة مظلمة) معنى قَوْلُه تَعَالَى: (وتركهم في ظلمات)
ولو أَشَارَ إلَى وجه الجمع هنا لكان أحسن بيانًا وقد مَرَّ توضيح التمثيلين.
قوله: (مع رعد قاصف وبرق خاطف وخوف من الصواعق) أي من قبيل التشبيه
المفرد الذي لا تعدد فيه ولذا أقحم لفظ قبيل، ولما كان الْمُرَاد تشبيه المفردات المتعددة
بالمفردات المتعددة أَيْضًا قال (ويمكن جعلها من قبيل النثيل المفرد وهو أن تأخذ أشياء)
قوله: (فرادى) أي بدون ملاحظة تضام بعضها مع بعض (فتشبهها بأمثالها كقَوْله تَعَالَى) كما
سيظهر لك فإن في قوله [تَعَالَى] : (وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصيرُ(19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا
النُّورُ (20) وَلَا الظّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) . [فشبه] الكافر بالأعمى والْمُؤْمن بالبصير
وشبه الكفر بالظلمة والإيمان بالنور والثواب بالظل والعقاب بالحرور أي السموم فعول من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: [والغرض] منهما أي عَلَى تقدير حملهما عَلَى التشبيه المركب وتمثيل الحال بالحال فوجه
التشبيه بين الطرفين في كل واحد من التمثيلين حِينَئِذٍ هُوَ الوقوع في الحيرة والدهشة فإنه وصف
مشترك بين الحالين في كل واحد من التمثيلين.
قوله: بما يكابد من [انطفأت] ناره أي بما يقاسي من كابدت الأمر أي قاسيت شدته.