البقرة ومن لم يجوز حذف العائد المجرور قال اتسع فيه فحذف منه الجار وأجري مجرى
الْمَفْعُول به ثم حذف وعند من جوزه حذفًا دفعة واحدة.
قوله: (أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده) المفهوم من قوله:(فِي رَوْضَاتِ
الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ)الخ. فلا وجه لقول أبي حيان إنه لم يتقدم في
هذه السُّورَة لفظ البشرى ولا ما يدل عليه حتى تكون الإشَارَة إليه انتهى. وهذا عجب منه
لأن قَوْلُه تَعَالَى: (فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ) دلالته عَلَى التبشير أظهر من
أن يخفى. وقيل إنه إشَارَة إلَى المصدر الدال عليه الْفعْل الذي بعده فإن الإشَارَة قد تكون
لما بعده كما مَرَّ في قَوْله تَعَالَى: (وكَذَلكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) الآية.
ونحوه انتهى. وهذا مع أنه لا حاجة إليه لما مَرَّ من أن التبشير مفهوم من سوق الْكَلَام
غير معلوم في مثله وما نقل عن الأئمة في مثل قَوْلُه تَعَالَى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا)ونحوه مما صدر بالكاف وذكر الْفعْل بعده بدون فصل وهنا
ليس كَذَلكَ وإن ثبت في مثله أَيْضًا يكون وجهًا صحيحًا لكن لم نطلع عليه، وفي هذا
التقدير يكون الْمَحْذُوف الضَّمير المنصوب فقط كما نبه عليه بقوله يبشره الله الخ. قوله
ذلك مبتدأ خبره (الذي يبشر الله) الآية. كالفذلكة لما سبق فَائدَة الخبر التحريض عَلَى
الاجتهاد في كون العبد من زمرة العباد الصَّالحينَ حتى يكون من المبشرين وأيضًا فيه
بيان أن ذلك التبشير في غاية من الْكَمَال بحَيْثُ لا يعرف كنهه وصيغة الْمُضَارِع
للاسْتمْرَار. قوله يبشر بمعنى يبشر من أبشره من الإفعال(وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
وحمزة والكسائي «يَبْشُرُ» من بشره وقرئ «يُبْشِرُ» من [أبشر] ).
قوله: (عَلَى ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة) .[عَلَى ما أتعاطاه نفس متكلم وحده من
العاطي والتعاطي تناول الشيء بتكلف، ولما كان في التبلغ تكلفًا عبر بالتعاطي].
قوله: (نفعًا منكم) فسره به مع أن الأجر في العرف مختص بالحال لكون الاستثناء
متصلًا فيكون مَجَازًا بذكر الخاص وإرادة العام.
قوله: (أن تودوني لقرابتي منكم) أَشَارَ إلَى أن المودة مصدر مأول بـ أنْ مع الْفعْل
كعكسه. والقربى مصدر بوزن بشرى كالقرابة، وفي للسببية مثل في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"إن امرأة"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أن تودوني لقرابتي منكم. الوجه الأول مبني عَلَى أن يقام في مقام لام التعليل كقولك: ما
ضربته إلا في التأديب. والثاني مبني عَلَى أن يكون القربى مَفْعُولا به للعودة، وفي صلة. وفي الكَشَّاف
فإن قلت: هلا قيل: إلا مودّة القربى: أو إلا المودة للقربى. وما معنى قوله (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ؟ قلت:
جعلوا مكانا للمودة ومقرًّا لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة. ولى فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم
وهم مكان حبى ومحله، وليست فِي بصلة للمودّة، كاللام إذا قلت: إلا المودّة للقربى، إنما هي متعلقة
بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس. وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها.
والقربى: مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى: قرابة. والمراد في أهل القربى.