الأول من الوجه الثاني أو استشهاد ببيان أن الافتراء منشؤه ختم الْقُلُوب وقلبه عَلَيْهِ السَّلَامُ
ليس بمختوم كما في الوجه الأول، والتفريع عَلَى هذا أنه لما حكى أنهم يقولون افترى فُهم
منه أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ تأذى منه لافترائهم عليه عليه السلام مع عدم إيمانهم فرع عَلَى هذا
المفهوم قوله: (فإن يشأ الله يختم عَلَى قلبك) بإلقاء الصبر فلا يشق
عليك أذاهم لكنه تَعَالَى لم يشأ ذلك بل شق عليك أذاهم لرفع درجاتك وتكثير ثوابك.
قوله: (اسْتئْنَاف لنفي الافتراء عَمَّا يقوله بأنه لو كان مفترى لمحقه) والْمُرَاد
اسْتئْنَاف نحوي أي ابتداء كلام ليس مَعْطُوفًا عَلَى ما في حيز الشرط بل مَعْطُوف عَلَى
مجموع الْجُمْلَة وسقوط الواو في (ويمح الله) عَلَى ما في بعض المصاحف لاتباع اللَّفْظ
كقوله: (ويدع الْإنْسَان) حذفت الواو من يدعو لفظًا [لاسْتقْبَال] اللام
الساكنة كما في قَوْله تَعَالَى: (سندع الزبانية) وحذفت في الخط أَيْضًا تبعًا
للفظ لكنها غير مَحْذُوفة معنى، وإنما لم يعطف عَلَى ما في حيز الشرط لأن محو الباطل
أمر محقق لأنه لو كان مفترى لمحقه، وهذا متحد مع الْمَعْنَى الثاني في قوله:(فَإِنْ يَشَإِ
اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ)حيث قال. وقيل ويختم عَلَى قلبك يمسك الْقُرْآن
والوحي عنه، ولعل لهذا أخَّره الْمُصَنّف ومرضه لكن صاحب الإرشاد قدم هذا الوجه
ورجحه فتأمل وكن عَلَى بصيرة.
قوله: (إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق) أشار به إلَى أن الْمُضَارِع
للاسْتمْرَار ولذا ذكر الباطل عَلَى إطلاقه وعطف عليه قوله (يحق الحق) ورفع يحق قرينة
واضحة عَلَى أن يمحو ليس بمجزوم مَعْطُوف عَلَى الْجَزَاء.
قوله: (بوحيه أو بقضائه أو بوعده، بمحو باطلهم وإثبات حقه بالقرآن، أو بقضائه الذي
لا مرد له، وسقوط الواو من يَمْحُ في بعض المصاحف لاتباع اللفظ كما في قوله:(وَيَدْعُ
الْإِنْسانُ [بِالشَّرِّ] )بوحيه معنى بكلماته أي الْمُرَاد بكلماته إما الوحي أو
القضاء أو الوعد فالإفراد لكون الْمُرَاد الجنس ولذا جمع الكلمات، ولا يبعد أن يكون أو
لمنع الخلو فقط. قوله يمحو الخ. متعلق بوعده. قوله بالْقُرْآن متلق بإثبات ومحو تنازعًا عمم
الوحي أولًا لأن مراده بيان عادته الجارية مع جميع رسله ولذا ذكر الباطل والحق عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: اسْتئْنَاف لنفي الافتراء عليه. قال أبو البقاء يختم جواب للشرط ويمحو مرفوع مستأنف
وليس من الْجَوَاب لأنه سبحانه يمحو الباطل من غير شرط. وسقطت الواو من اللَّفْظ لالتقاء الساكنين
ومن المصحف حملًا عَلَى اللَّفْظ. وروى محيي السنة عن الكسائي أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا مجازه
والله يمحو الباطل يعني أن الأصل ويحق الحق بكلماته ويمحو الباطل، ثم قال محيي السنة: وهو في
محل رفع ولكنه حذف منه الواو في المصحف عَلَى الللظ كما حذفت في (ويدع الْإنْسَان)
و (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، ومما يقوى أنه
مرفوع لا مجزوم عطفًا عَلَى يختم عطف قوله (ويحق الحق بكلماته) عليه وهو من فوع ولو كان
الْمَعْطُوف عليه مجزومًا لكان هُوَ مجزومًا أَيْضًا بأن يقرأ يحق بفتح القاف أو بكسرها أو بفك الْإدْغَام.