بالْكَلَام هنا الْكَلَام اللفظي عَلَى ما اختاره الْمُصَنّف ردًا عَلَى الزَّمَخْشَريّ كما سيأتي. قوله وهو ما
يعم المشافه به صريح فيما ذكرناه. قوله ليس في ذاته أي في حقيقته ووجوده مركبًا من حروف
مقطعة كاللَّفْظ القائم بنفس الحافظ من غير ترتب الأجزاء لعدم تقدم البعض عَلَى البعض. قوله
تتوقف على تموجات متعاقبة صفة لحروف مقطعة والنفي متوجه إليه دون الْمَوْصُوف أي هُوَ
تمثل وتصوير ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة عَلَى هذا الوصف وإن كان مركبًا من
حروف مقطعة بدون هذا الوصف لأنه ليس بآلة اللسان حتى يحتاج إلَى تموجات متعاقبة
والْمُرَاد بالتموج هنا تموج الهواء لأن الحروف تعرض للصوت وهو تموج الهواء والتعاقب هُوَ
التلفظ بالحرف بعد الحرف الآخر كتلفظ السين في بسم الله بعد التلفظ بالباء.
قوله:(وهو ما يعم المشافه به كما روي في حديث المعراج، وما وعد به في
حديث الرؤية)وهو ما يعم المشافه به والضَّمير راجع إلَى الوحي كما هُوَ الظَّاهر أو
راجع إلَى التمثل. والمشافه [بزنة] اسم الْمَفْعُول المخاطب به من الله تَعَالَى بدون واسطة
كما ورد في حديث المعراج وفرض الصلاة فيه؛ إذ خاطبه الله تَعَالَى بكلام سمعه منه
على وجه لا يعلم كنهه إلا الله تَعَالَى وما وعد به أي بتكلمه مشافهة في حديث
الرؤية كقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"إنكم سترون ربكم"لكن الْمُرَاد رؤيته عَلَيْهِ السَّلَامُ لأن
الوحي بكلام مختص بالنَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (والمهتف به) أي المهتوف به أي التَّكَلُّم من وراء حجاب أشار إليه بقوله لكن
عطف قوله الخ.
قوله: (كما اتفق لمُوسَى في طوى والطور) أي في الواد المقدس حيث [نودي] (إني
أنا ربك فاخلع نعليك)قال المص في سورة طه قيل إنه لما نودي قال مَن
المتكلم؟ قال: إني أنا الله. فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ أنا
عرفت أنه كلام الله تَعَالَى بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء وهو إشَارَة إلَى
أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ تلقى من ربه كلامه تلقيًا روحانيًا ثم تمثل ذلك الْكَلَام لبدنه وانتقل إلَى
الحس المشترك فانتقش به من غير اخْتصَاص بعضو وجهة انتهى. وهذا كتوضيح ما ذكر
هنا. قال المص في أوائل البقرة: ولعل نزول الكتب الْإلَهيَّة عَلَى الرسل بأن يتلقفه المَلك
من الله تَعَالَى تلقفًا روحانيًا أي الْقُرْآن مثلًا وإن كان مركبًا من الألفاظ والحروف لكن
أمين الوحي جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ أدركه بسرعة لأنه تمثل ليس في ذاته مركبًا من حروف
مقطعة تتوقف عَلَى تموجات متعاقبة فإذا كان إدراكه بطَريق التمثل والارتسام الدفعي
يكون بسرعة وإن كان كلامًا طويلًا مشتملًا عَلَى أجزاء كثيرة بلا تقدم وتأخّر بينها
والموجب لبطء الإدراك تموج الهواء المكَيْفَ بكيفية الحروف المقطعة الخارجة عن
مخارجها لأن ذلك الهواء المتموج يوصل تلك الكيفيات إلَى الصماخ متعاقبة حرفًا بعد