حرف فيحتاج إدراك بعضها إلَى انقضاء بعض وانصرامه عَلَى التعاقب فيلزم البطء فمعنى
قوله: تلقفًا روحانيًا أي أخذًا سريعًا روحانيًا أي معنويًا غير مكتسٍ بكسوة الحروف
والأصوات وكذا الْكَلَام في تلقي الْأَنْبيَاء عليهم السلام تلقفًا روحانيًا، وإنما أطنبنا الْكَلَام
لأن المقام من مزالق الأقدام ومشيته الأعلام.
قوله: (لكن عطف قوله(ومن وراء حجاب) عليه بخصه بالأول والآية دليل عَلَى
جواز الرؤية لا عَلَى امتناعها) أي رؤية الله إذ التَّكَلُّم مشافهة يشعر بإمكان رؤيته لا عَلَى
امتناعها كما ذهب إليه المعتزلة كالزَّمَخْشَريّ وغيره.
قوله: (وقيل الْمُرَاد به الإلهام والإلقاء في الروع) قائله الزمخشري الْمُرَاد الخ. أي
جعل الزَّمَخْشَريّ التكليم ثلاثة أقسام عَلَى ما طريق الوحي ثم فسره وقال وهو الإلهام
والقذف في القلب سواء كان يقظة أو منامًا وهو أعم من الإلهام واستشهد عَلَى أنه ورد بهذا
الْمَعْنَى بيت عبيد وأراد الوحي من الله تَعَالَى بلا واسطة والظَّاهر من كلامه أن الوحي لا
يَخْتَصُّ بالْأَنْبيَاء عليهم السلام بل يدخل فيه خطاب مريم وما يقع لأم مُوسَى وما يقع
للمسلمين من هذه الأمة وغيرهم، وقد صرح به صاحب الكَشَّاف والأخير أن التَّكَلُّم من وراء
حجاب أو يرسل رسولًا فمن أنكر الرؤية استدل بهذه الآية لحصر تكليمه تَعَالَى للبشر في
الثلاثة فإذا لم يره من يكلمه في وقت الْكَلَام لم يره في غيره بالطريق الأولى وإذا لم يره
هو أصلًا لم يره غيره ولا قائل بالفصل والْجَوَاب أنه لا [يتم] عدم رؤية من يكلمه، وإنَّمَا يكون
كَذَلكَ لو لم يكن التَّكَلُّم عامًا إلَى التَّكَلُّم شفاهًا وذا ممنوع كما عرفته من تقرير المص ولو
سلم الحصر في الثلاثة ما زعمه الخصم يجوز أن يكون الْمُرَاد حصر التكليم في الدُّنْيَا عَلَى
أن لنا دليلًا عَلَى وقوع رؤية الله تَعَالَى في الْآخرَة فضلًا عن إمكانها كما بين في الْكَلَام
والمص جعل هذه الآية دليلًا عَلَى جوازها دون وقوعها مع أن التَّكَلُّم شفاهًا يدل عَلَى
الوقوع لأن دلالة الآية عَلَى التَّكَلُّم مشافهة ليست بقطعية بل عَلَى طريق الاحتمال فهي تدل
على الجواز دون الوقوع وإذا كان الْمُرَاد الإلهام والإلقاء في الرُّوع بضم الراء أي القلب كما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لكن عطف قوله (أو من وراء حجاب) عليه يخصه بالأول أي يخصه المشافه به
وتَخْصيصه به مُسْتَفَاد من لفظة (أَوْ) القاسمة فإن الْكَلَام من وراء الحجاب قسيم للكلام المشافه به لا
للمهتف؛ إذ الهتاف يجوز أن يكون من وراء الحجاب، فلا وجه لعطف من وراء الحجاب عليه بأو.
قوله: والآية دليل عَلَى جواز الرؤية لا عَلَى امتناعها. هذا تعريض لصاحب الكَشَّاف حيث
صرح في تفسير هذه الآية بنفي الرؤية قال وما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا عَلَى ثلاثة
أوجه. إما عَلَى طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام وإما عَلَى أن يسمعه كلامه
الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه لأنه في ذاته غير مرئي. وقوله من
وراء حجاب مثل أي كما يكلم الملِك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء حجاب فيسمع صوته