في حال الرؤية في الجنة فيكون الْمُرَاد أن يكلمه الله تَعَالَى في الْآخرَة مع أن الْمُرَاد في
القسمين الأخيرين الوحي في الدُّنْيَا إما بلا واسطة أو بواسطة، والزَّمَخْشَريّ حمل البشر عَلَى
عموم البشر سواء كان نبيًا أو غير نبي ثم حمل الوحي عَلَى الإلهام تارة وعلى معناه الْمُتَبَادَر
أخرى وحمل قوله (أو من وراء حجاب) عَلَى أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام
من غير أن يبصر السامع من يكلمه بطَريق الاسْتعَارَة التمثيلية بحال الملك المحتجب كما
مر. وحمل (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) أن يكلمه بواسطة الملك تارة وحمله عَلَى أن يكون الْمُرَاد
بـ رسولًا نبيًا مرسلًا إلَى الأمة أخرى، واختار صاحب الإرشاد مسلك الزَّمَخْشَريّ لخدشة في
كلام القاضي كما عرفتها.
قوله:(ووحيًا بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأن مِنْ وَراءِ حِجابٍ صفة كلام
محذوف والإِرسال نوع من الْكَلَام)ووحيًا الخ. أي مَفْعُولًا مُطْلَقًا لأن وحيًا نوع من الْكَلَام
أو بتقدير كلامًا إلا كلام وحي، والاستثناء مفرغ من أعم المصادر. قوله لأن من وراء حجاب
الخ. بيان لكونه منتصبًا بالمصدر بأنه صفة كلام مَحْذُوف حذف الْمَوْصُوف وهو المنتصب
بالمصدر في الْحَقيقَة وأقيم الصّفَة مقامه فجعل منتصب بالمصدر. قوله والإرسال نوع من
الْكَلَام بيان أَيْضًا وجه كونه مصدرًا لأن يكلم ولم يتعرض لكون الوحي نوعًا من الْكَلَام
لظهوره. وفيه نظر لأن كون الإرسال نوعًا منه أظهر منه.
قوله:(ويجوز أن يكون وحيًا ويرسل مصدرين ومِنْ وَراءِ حِجابٍ ظرفًا وقعت
أحوالًا)بيان وجه آخر لإعراب هذه الثلاثة بأن الأولين مصدران الأول صريح والثاني مأول
ومن وراء حجاب ظرف وقعت أحوالًا بتأويل المصدر باسم الْفَاعل أي موحيًا ومرسلًا
ومسمعًا من وراء حجاب فتكون حالًا من [الاسم] الجليل أخر هذا الاحتمال مع أنه مقدم في
الكَشَّاف لأنهم صرحوا بأن المصدر المسبوك من الْفعْل مع [أنْ] معرفة بل أعرف المعارف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن من وراء حجاب صفة كلام مَحْذُوف. يعني إذا كان وحيًا مع ما عطف عليه من قوله
(أو من وراء حجاب) وقوله (أو يرسل رَسُولًا) منتصبًا بالمصدر يكون مَفْعُولًا مُطْلَقًا لـ يكلمه لأن
الوحي كلام خاص من مطلق الْكَلَام كقهقرى في رجع القهقرى فإنه رجوع خاص من مطلق الرجوع
فإذا كان انتصابه عَلَى المصدر يكون كل واحد مما عطف عليه منتصبًا عَلَى المصدر فيجب أن يؤول
قوله: (أو من وراء حجا) بـ كلامًا من وراء حجاب، وقوله (أو يرسل رسولًا) بـ إرسالًا رسولًا [وكلامًا]
مصدر بمعنى تكليمًا والإرسال لتضمنه معنى الْكَلَام صح جعله مَفْعُولًا مُطْلَقًا من يكلم. والْمَعْنَى ما كان
لبشر أن يكلمه الله إلا تكليمًا وحيًا أو تكليمًا من وراء حجاب أو إرسالًا رسولًا.
قوله: ويجوز أن يكون وحيًا ويرسل مصدران الخ. أي ويجوز أن يكون وحيا ويرسل مصدرين
وقعا حالًا من فاعل يكلم وهو الله تَعَالَى بمعنى موحيًا ومرسلًا ومن وراء حجاب ظرفًا في موقع الحال
بمعنى كائنا من وراء حجاب، ولعل وقوع قوله مصدران وقوله ظرف هكذا مرفوعًا سهو من القلم
والأصل مصدرين وظرفًا بالنصب لأنهما خبران ليكون قوله (إنه عليٌّ) عن صفات المخلوقين حكيم يفعل
ما تقتضيه حكمته يعني هذه الفاصلة تعليل لما سبق أي ما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا عَلَى
هذه الأوجه. والْمَعْنَى كما أنه عز شأنه عن أن يكون جنابه مشرع كل أحد كَذَلكَ لا يتوصل إلَى بيداء