الباطل، ولك أن تقول: إن هذه الْجُمْلَة أَيْضًا لبيان كفرهم لكن لا عَلَى الوجه الذي زعمه
المعتزلة بل لأنهم لما أرادوا بهذا الْقَوْل إن عبادتهم الْمَلَائكَة حق مرضي مشروع لأنه لو لم
يكن كَذَلكَ لم يشإ الله تَعَالَى عبادتنا إياهم واعتقاد حقية عبادة غير الله تَعَالَى كفر فيحصل
اتساق الجهل بهذا الوجه مع بطلان ما زعمه المعتزلة. قوله: فاستدلوا بنفي مشيئة الخ. إشَارَة
إلى أن (لو شاء الرحمن) الآية. من قبيل قَوْلُه تَعَالَى:(لو كان فيهما آلهة
إلا الله لفسدتا)فلو لانتفاء الأول لانتفاء الثاني لا بالعكس.
قوله: (يتمحلون تمحلًا باطلا) معنى يخرصون أصل معنى الخرص كما قاله الراغب
معرفة القدر بطَريق التخمين، ثم أطلق عَلَى الكذب لأن التمحل والمماحلة المجادلة قد
يكون صوابًا ولذا قيد بـ باطلًا.
قوله: (ويجوز أن [تكون] الإشَارَة إلَى أصل الدعوى) وهو جعل الْمَلَائكَة بنات الله فلا
يتم ما ذكره الزَّمَخْشَريّ لأن ما ذكره بناء عَلَى كون الإشَارَة إلَى تعليق عبادتهم الْمَلَائكَة
بمشيئته تَعَالَى فرده المص أولًا بما ذكره من أن الإشَارَة إلَى استدلالهم الْمَذْكُور، ورده ثانيًا
بأنه يجوز أن تكون الإشَارَة إلَى أصل الدعوى وما له منع كون الإشَارَة إلَى ما لهم به من
علم فيلزم المنع بعد التسليم ويأبى عنه الذوق السليم، فالأَولى تقديم هذا الاحتمال فبطل
مذهب الزمخشري لأنه بناء عَلَى كون الإشَارَة إلَى هذا الْقَوْل كما عرفته من أن هذا الْقَوْل
يستلزم الْقَوْل بأن عبادتهم الْمَلَائكَة بمشيئة الله تَعَالَى وهو ليس كَذَلكَ بناء عَلَى زعمهم.
قوله: (كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى) أي أظهرها بقوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الإبطال عن الْمَذْكُور عقيبه إلَى كلام متقدم عليه غاية البعد، وقوله هذا رد لكلام الزجاج حيث قال: إن
قوله: (وما لهم بذلك من علم) عائد إلَى قَوْلهم: الْمَلَائكَة بنات الله لا إلَى قَوْلهم:
(لو شاء الرحمن ما عبدناهم) وهو الذي أورده صاحب الكَشَّاف عَلَى نفسه سؤالًا
وأجاب بأنه تمحل مبطل وتحريف مكابر ويمكن تصحيح قول الزجاج وهو أن قوله(ما لهم بذلك من
علم)عائد إلَى قَوْلهم الْمَلَائكَة بنات الله لا إلَى قَوْلهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم، وذلك بأن يجعل لو
شاء الرحمن ما عبدناهم جوابا لما تضمنت تلك الآيات من معنى الإنكار والاحتجاج عليهم بعبادة
الْمَلَائكَة فيكون قولهم هذا إشَارَة إلَى انخزالهم وانقطاعهم ودلالة عَلَى أن الحجة قد بهرتهم ولم يبئ
لهم متشبث إلا هذا الْقَوْل كما هُوَ ديدن المحجوجين. وقد مَرَّ في الأنعام من هذا النوع نبذ، وقريب من
هذا قول القاضي كأنه لما أبدى وجوه فساد أقوالهم وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم
أي نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل بقوله (وما لهم بذلك من علم) وجه تَخْصيص العلم
في قوله: (وما لهم بذلك من علم) بالعلم الحاصل من طريق العقل هُوَ وقوعه في
مقابلة طريق النقل. أعني قوله (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ(21) .