أرادوا بها الباطل وهو جعلهم دليلًا عَلَى امتناع النهي عن تلك الْعبَادَة توضيحه ما قاله في
أواخر سورة الأنعام في قَوْله تَعَالَى: (سيقول الَّذينَ أشركوا) الآية. أي لو
شاء ذلك مشيئة ارتضاء كقَوْله تَعَالَى: (فلو شاء لهداكم أَجْمَعينَ) لما
فعلنا نحن ولآباؤنا أرادوا أي المشركون بذلك أنهم عَلَى الحق المشروع المرضي عند الله
تَعَالَى لا الاعتذار بارْتكَاب هذه القبائح بإرادة الله تَعَالَى منهم حتى ينتهض ذمهم به دليلًا
على المعتزلة يعني أن الله تَعَالَى ذم الْمُشْركينَ في قولهم (لو شاء الله ما أشركنا) هناك(لو شاء
الرحمن ما عبدناهم)هنا لأجل إرادتهم بهذا الْقَوْل الحق الأمر الباطل وهو كونهم عَلَى الحق
لأنه لو لم يكن كَذَلكَ لم يشإ الله تَعَالَى، ولهذا ذمهم الله تَعَالَى فَكَيْفَ يستدل الزَّمَخْشَريّ
ومن يحذو حذوه عَلَى مسلكهم المزخرف ومعظم شبهة أن الْجُمْلَة المتقدمة وهو قوله
تَعَالَى: (وجعلوا له من عباده جزءًا) وأنه اتخذ بناتًا وأصفاهم بالبنين
وأنهم جعلوا الْمَلَائكَة إناثًا وأنهم عبدوهم جعل متعاطفة مسوقة لبيان كفرهم قولهم:(لَوْ
شَاءَ الرَّحْمَنُ [مَا عَبَدْنَاهُمْ] )كفران أَيْضًا مضمونان إلَى الكفرات الثلاثة
وهما عبادة الْمَلَائكَة وزعمهم أن عبادتهم بمشيئته تَعَالَى وقد عرفت جوابه وهو أن قوله
وقَالُوا الخ. عطف القصة عَلَى القصة والقصة الأولى لبيان كفرهم والقصة الثانية لبيان دليلهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
التَّكْذيب راجع إلَى اعتقادهم لا إلَى نفس ما قَالُوا لتصحيح قولهم بقوله:(فلو شاء لهداكم
أَجْمَعينَ)فإن لو معناها الامتناع فلم [يشأ] هدايتهم ولو شاءها لما ضلوا ولكسب
العبد وتهيئه صارت الأفعال مناطًا للتكلف للفرق الضروري بين الاختياري والقسري، ولما دق هذا
على الأفهام غلت القدرية فاعتقدوا أن العبد فعال لما يريد، واعتقدت الجبرية أن لا قدرة للعبد ولا
اختيار. وقال صاحب الفرائد: لأهل السنة فيه ثلاثة أوجه. أحدها أنهم ادعوا أن الله أمرهم بعبادة
الْمَلَائكَة وقَالُوا لو شاء الله أن لا نعبد لنهانا فإذا لم ينهنا عنها فقد أمرنا، وثانيها لو شاء الله أن لا
نعبدهم لمنعنا عن عبادتهم منع قهر واضطرار فإذا لم يفعل ذلك فقد أباح لنا. وثالثها أنهم قَالُوا هذا
الْقَوْل استهزاء بقول أهل الحق إن الكائنات كلها بمشيئة الله تَعَالَى وحين لم يعتقدوا بما قَالُوا كذبهم
الله فيه وجهلهم كما أخبر عنهم بقوله (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) هذا حق في
الأصل ولكن قَالُوا ذلك في الأصل استهزاء فأكذبهم بقوله: (إن أنتم إلا في ضلال مبين)
وكَذَلكَ قوله: (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) ثم قال:(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)فقوله: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون)
معناه ليس لهم حجة وهو جهل منهم وكذب. أما قول صاحب الكَشَّاف لا دليل عَلَى
أنهم قَالُوا مستهزئين ففي غاية البعد لأنه قد دل الدلائل عليه منها قَوْلُه تَعَالَى:(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)وأمثال هذا من المنقول وغيره [كثير] . وقال صاحب التقريب:
قَالُوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم عَلَى الاستهزاء ولو قالوه جادين كانوا مُؤْمنينَ لما ثبت في الأصول
من توقف الأمور عَلَى مشيئة الله تَعَالَى وحمله عَلَى الاستهزاء لهذا الدليل دون ما قبله ليس فيه تعويج.
وقال الإمام في تصحيح رد صاحب الكَشَّاف: إن ذلك يؤدي إلَى أنه تَعَالَى حكى عن القوم قولين باطلين
وبين وجه بطلانهما ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا في مسألة أجنبية ثم حكم ببطلانها أَيْضًا فصرف هذا