قوله: (ولذلك جهلهم فقال:(ما لهم بذلك) الآية) جهلهم في
استدلالهم هذا فليس قوله: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ [مِنْ عِلْمٍ] ) بيانًا لكفرهم في
مقالتهم هذه كما ذهب الزَّمَخْشَريّ ترويجًا لمذهبهم الباطل؛ إذ هُوَ مَعْطُوف عَلَى ما قبله
عطف القصة عَلَى القصة والأول بيان لكفرهم وهذا بيان لدليلهم الباطل ثم تزييفه له لإتيانه
ببعض ما كَفَرُوا به. قيل وهذا بناء عَلَى أن المشيئة لا بد أن يتعلق بأحد طرفي الوجود
والعدم ألبتة فإذا لم يتعلق بعدم الْعبَادَة يتعلق بالْعبَادَة فيصح الاستدلال الْمَذْكُور به فصار
الحاصل أن الإنكار المُسْتَفَاد من قوله (مَا لَهُمْ به منْ علْمٍ) متوجه إلَى جعل الْمُشْركينَ ذلك
دليلًا عَلَى امتناع النهي عن عبادتهم أو عَلَى حسنها لا إلَى هذا الْقَوْل فإنه كلمة حق لكن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
بالحق جادّا كان أو هازئًا. ثم قال: فإن قلت: ما قولك فيمن يفسر (ما لهم) بقولهم: إن الملائكة بنات الله (من علم إن هم إلا يخرصون) في ذلك القول لا في تعليق عبادتهم بمشيئة الله؟ قلت: تمحل مبطل وتحريف
مكابر] إلَى هنا كلامه. قد أطال الزمخشري الْكَلَام هَاهُنَا تهالكًا عَلَى العصب لأهل السنة والجماعة في
قولهم الشرور بمشيئة الله تَعَالَى استدل بظَاهر هذه الآية عَلَى أن الكفر من الكافر ليس بمشيئة الله تَعَالَى
لأنه تَعَالَى كذبهم بقوله: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) في جميع ما
حكاه عنهم بقوله: (وجعلوا له من عباده جزءًا) وقوله:(وجعلوا الْمَلَائكَة الَّذينَ هم
عباد الرحمن إناثًا)وقوله: (وقَالُوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) .
فقولهم (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) داخل في جملة [ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ] فإن لفظ
ذلك إشَارَة إلَى جميع ما حكي عنهم فيلزم أن يكون هذا أَيْضًا من أكاذيبهم. فالْجَوَاب عنه من قبل أهل
السنة أن التَّكْذيب في الأخير ليس راجعًا إلَى منطوقه الصريح بل هُوَ راجع إلَى مؤداه وما يستلزمه عَلَى
ما رواه الواحدي عن صاحب النظم أن هذا الْقَوْل حق وإن كان من الْكُفَّار وهذا كقولهم(لو شاء الله ما
عبدنا من دونه من شيء)وإن جعلت قوله (ما لهم بذلك من علم) رادًا لقولهم (لو شاء الرحمن ما عبدناهم)
كان الْمَعْنَى أنهم قَالُوا إنَّ اللَّهَ قدرنا أي جعلنا قادرين عَلَى عبادتها فلا يعاقبنا عليها لأنه رضى بذلك منا.
وهذا كذب منهم لأن الله تَعَالَى وإن أراد كفر الكافر فإنه لا يرضاه وتقديره الكافر عَلَى الكفر لا يكون
عن رضى منه. وقال صاحب الانتصاف: هذه الآية تزيد معتقدنا تمهيدًا. وقول الكافر لو شاء الله ما فعلت
كلمة حق يريد بها باطلًا. أما أنها كلمة حق فلقَوْله تَعَالَى: (يضل مَنْ يَشَاءُ ويَهْدي مَنْ يَشَاءُ)
وأمثالها. وأما إرادته بها الباطل فزعمه أنها حجة له عَلَى اللَّه سبحانه وتَعَالَى في أن لا يعاقبه، وإنما رد
اللَّه في هذه الآية احتجاجهم فإن مقالتهم صدرت عن ظن كاذب وتخرص فلذلك قال:(إن هم إلا
يخرصون)كما قال في أختها في سورة الأنعام[(قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) ]. فشبه حالهم في الخرص واتباع الظن بحال أوائلهم وبين
أن مقالتهم ناشئة عن خيال وتوهم فلا حجة فيها عَلَى الله تَعَالَى بل للَّه الحجة البالغة عليهم وبين أن