فهرس الكتاب

الصفحة 9285 من 10841

الفواصل حيث كان الفاصل في الأول للْمُؤْمنينَ وفي الثاني لقوم يوقنون وفي الثالث لقوم

يعقلون فـ [حِينَئِذٍ] يكون من باب الترقي؛ إذ في الأول يعلم بالنظر الصحيح أنها مصنوعة لا بد له من

صانع فآمنوا باللَّه وأقروا فـ [حِينَئِذٍ] يراد بالْمُؤْمنينَ المشارفين بالإيمان هذا في الأول، وأما في الثاني

فلأنهم إذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلَى حال ومن هيئة إلَى هيئة وفي خلق ما

في الْأَرْض عَلَى ظهر الْأَرْض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانًا وأيقنوا أو انتفى عنهم اللبس

وأما في الثالث فلأنهم إذا نظروا في سائر الحوادث التي يتجدد في كل وقت كاخْتلَاف الليل

والنهار ونزول الأمطار وحياة الْأَرْض بها بعد موتها وتصريف الريح جنوبًا وشمالًا قبولًا

ودبورًا عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم كذا في الكَشَّاف، ولا يخفى أن ما ذكره في

الثالث مآل ما ذكر في الثاني بل ما ذكر في الأول أَيْضًا لأن الإيمان لا يتم بدون الإيقان

والإيقان لا يتم بدون الاستحكام، وأَيْضًا كان الفاصل في سورة البقرة لقوم يعقلون بعد ذكر

أكثر الآيات وذكر في سورة والذَّارِيَات قَوْلُه تَعَالَى: (وفي الْأَرْض آيات للموقنين)

وأَيْضًا خلق الْإنْسَان أدق آية من سائرها لاشتماله جميع ما في العالم وما

ذكره هنا يوهم خلافه فلا جرم أنه غير تام، فالأولى في مثله الْقَوْل بأنه تفنن في البيان وهو من

شعب البلاغة؛ إذ التكرار ليس بمستحسن بل مستكره في مثل هذا المقام والجمع بين الآيات

في بعض المواضع والتفرق بينها في مَوْضع آخر إما وحدها أو مع بعض آخر منها لا يخلو

عن نكتة مما يقتضيها المقام والتفنن في البيان منتظم في كل مقام والجمع بين بعض منها

للمناسبة في خصوصية ما كما بينه هنا صاحب الكَشَّاف فاحفظ ذلك وقس عليه أمثاله.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

النظر في السَّمَاوَات والْأَرْض الإيمان ونتيجة النظر في الأنفس وأحوالها الازدياد في الإيمان

المدلول عليه بقوله: (يوقنون) ونتيجة النظر في سائر الحوادث الْإخْلَاص في اليقين

المدلول عليه بقوله: (يَعْقلُونَ) فلعل جعل كل فاصلة نتيجة ما تقدم لا يخلو عن

مناسبة ولعل المناسبة أنه لما كان السَّمَاوَات والْأَرْض صنعًا متقنًا عجيبًا بحَيْثُ إذا نظر فيه الناظرون

النظر الصحيح يَعْلَمُونَ أن له صانعًا تام القدرة ويؤمنون به ناسب أن يقال فيه يُؤْمنُونَ، ثم إذا نظروا

في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلَى حال ومن هيئة إلَى هيئة وفي خلق ما عَلَى الْأَرْض من

صنوف الحيوانات ازدادوا يقينًا وإيمانًا بخالقها وانتفى عنهم اللبس لكون دلالتها عَلَى خالقها أظهر

من دلالة الآيات الأولى، ثم إذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاخْتلَاف الليل

والنهار ونزول الأمطار وحياة الْأَرْض بها بعد موتها وتصريف الرياح جنوبًا وشمالًا وقبولًا ودبورًا

عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم وقوي غاية الْقُوَّة لما أن دلالة هذه الحوادث عَلَى الصانع

أظهر مما تقدم. والحاصل أنه جعل نتيجة النظر في السَّمَاوَات والْأَرْض الإيمان ونتيجة النظر في

الأنفس وأحوالها الازدياد في الإيمان المدلول عليه بقوله: (يوقنون) ونتيجة النظر

في سائر الحوادث الْإخْلَاص في اليقين المدلول عليه بقوله (يعقلون) فإنه من

عقل من كذا كذا أي استدركه بالعقل بعد أن لم يكن مستدركًا فإنهم عقلوا من إحياء الْأَرْض

بالمطر أنه تَعَالَى (يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) فهذا طريقة السلوك والترقي. قال الراغب

رحمه الله ما تقدم من الآيات يدل عَلَى قادر لا يشبهه قادر، فمن وفَّى النظر في ذلك أداه إلَى الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت