فإنفي الشركة في الحوادث السفلية ليس فيه التزام لهم لتمكنهم وإيجادهم لبعض الحوادث
بحسب الظَّاهر كَيْفَ لا وقد ذهب المعتزلة إلَى أن أفعال العباد مخلوقة لهم. وذهب القاضي
أبو بكر الباقلاني إلَى أنها حاصلة بمجموع القدرتين قدرة الله وقدرة العبد ولما توهموا
شركة فيها لم يذكره الْمُصَنّف ليظهر الالتزام، وحمل الأول عَلَى نفي الخلق عَلَى الاستقلال
ولذا قيده في أنفسها والقرينة عليه قوله في سورة [فاطر] : أخبروني أي جزء من الْأَرْض
استبدوا بخلقه فلا يرد إشكال السعدي، لكن يرد عليه أن الْكَلَام في خلق نفس الْأَرْض
كخلق نفس السَّمَاوَات لا الخلق في الحوادث السفلية، فلا وجه لما ذكره في تَخْصيص
الشركة بالسَّمَاوَات لأن عدم الشركة في خلق أي جزء من الْأَرْض ظَاهر لكل أحد ومسلم
عندهم كعدم الشركة في خلق السَّمَاوَات مَعَ اللَّه تَعَالَى، فالصواب أن يقال إن نفي الشركة
مراد في خلق الْأَرْض وفي خلق أي جزء من الْأَرْض لأن الْكَلَام مسوق لإثبات التوحيد
ونفي الشركة لا لإبطال تفرد غيره تَعَالَى بخلق الْأَرْض وبجزء منها فإنه لم يذهب إليه أحد
مع أن نفيه لا يستلزم نفي الشركة في الخلق مَعَ اللَّه تَعَالَى ولا يحصل له التوحيد وترك قوله
وتَخْصيص الشركة الخ. أولى كما تركه صاحب الكَشَّاف وتبعه صاحب الإرشاد. وقال الفاضل
المحشي: والأظهر أن يجعل الآية من حذف معادل أم المتصلة لوجود دليله والتقدير ألهم
شرك في الْأَرْض أم لهم شرك في السَّمَاوَات انتهى. ولك أن تقول: إن الْكَلَام من قبيل
الاحتباك أي نفي الخلق عَلَى الاستقلال أي مع الشركة مَعَ اللَّه تَعَالَى معتبر في الْأَرْض
والسَّمَاوَات جَميعًا فترك في أحدهما ما ذكر في الآخر وهذا أوفق بالمرام وأنسب بجزالة
النظم الكريم.
قوله: (ائتوني بكتاب) الأمر للتعجيز كقَوْله تَعَالَى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)
من مقول الْقَوْل.
قوله: (من قبل هذا الْكتَاب يعني الْقُرْآن فإنه ناطق بالتوحيد) فإنه أي الْقُرْآن ناطق
بالتوحيد أي دال عليه تعليل لطلب الإتيان صورة بكتاب غير الْقُرْآن فلا يمكنهم إتيان كتاب
على خلاف ما نطق الْقُرْآن؛ إذ التخالف بين الكتب عَلَى وجه التناقض محال، فالأَولى كونه
تعليلًا لما يفهم من المقام أي لا يمكنهم إتيان كتاب نازل منَ السَّمَاء غير الْقُرْآن ناطق
بالشركة فإن الْقُرْآن ناطق الخ.
قوله: (أو بقية من علم) أي أَثارَةٍ بمعنى بقية.
قوله: (بقيت عليكم من علوم الأولين) بيان وجه التَّعْبير بالبقية، وإنما عبر بالعلم لأن
لهم بقية من التقليد من آبائهم الأقدمين الضالين.
قوله: (هل فيها ما يدل عَلَى استحقاقهم للعبادة أو الأمر به) هل فيها أي في علوم
الأولين. الاسْتفْهَام للإنكار أي لا يكون علم ولا علوم الأولين الدَّالَّة عَلَى ذلك فالأمر بإتيانه
للتعجيز وهذا لا بد من أن لا يستفاد من كتاب غير الْقُرْآن حتى [تتم] المقابلة.