اسْتعَارَة شبه تعجيلهم لقطع الحكم في أمر الدين بقدوم المسافر من سفره لما فيه من شدة
الرغبة والعزم (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ولما
فيه من البلاغة اختاره الزَّمَخْشَريّ انتهى. ولا يخفى أن شدة الرغبة والعزم في جانب المشبه
غير ظَاهر لا سيما من الْمُؤْمنينَ، وإن سلم كونه أخص أوصاف المشبه به ولذا قال الفاضل
المحشي: ولا يبعد أن يجعل قدم بمعنى مضى في الحرب ومناسبته للمقام أظهر مما ذكره
البعض شبه جسارتهم عَلَى مخالفة حكم الله تَعَالَى ورسوله بجسارة المحاربين عَلَى الحرب
لأن المخالفة الْمَذْكُورة من باب المحاربة فهو إما اسْتعَارَة تبعية أو تمثيلية.
قوله: (مُسْتَعَار مما بين الجهتين المسامتتين) والاسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة
من قطع الحكم الشرعي والقاطع له وتعمد عدم المتابعة بالهيئة المنتزعة من تابع عاص
تقدم بين يدي متبوعه حين سار في طريق فاستعمل ما وضع للهيئة المشبه بها في الهيئة
المشبهة من غير نظر إلَى مفرداتها تصويرًا لكمال قبحه وشناعته بصورة المحسوس، وأما
مفرداتها فباق عَلَى معناه الأول المجازي هنا في بين اليدين فإن حقيقه بين العضوين فيراد
به الجهتان المتقابلتان لليمين والشمال مجازًا حتى أن اليدين في قولهم: جلست بين يدي
فلان استعمل بعلاقة المجاورة في الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبًا منه، فعلم منه أن
الْمُصَنّف أراد بالاسْتعَارَة اللغوية؛ إذ الْمُرَاد الْمَجَاز المرسل وسكت عن بيان الاسْتعَارَة
التمثيلية لظهوره. وأشار إليها بقوله تهجينًا الخ. فإن التهجين الْمَذْكُور مُسْتَفَاد من الاسْتعَارَة
التمثيلية كما أوضحناه، وأما كون الْمُرَاد الاسْتعَارَة في إضافة اليدين إلَى اللَّه تَعَالَى فهو خلاف
الظَّاهر عَلَى أنه من الإسناد المجازي لا الاسْتعَارَة المصطلحة إلا أن يراد الاسْتعَارَة التخييلية
فحِينَئِذٍ يكون في لفظة الله اسْتعَارَة مكنية وقد مَرَّ بَيَانُهُ في قَوْله تَعَالَى:(يد اللَّه فوق
أيديهم)نقلًا عن صاحب المفتاح لكن كلام المص لا يلائمه.
قوله: (ليدي الْإنْسَان) متعلق بالمسامتتين أي المقابلتين.
قوله: (تهجينا لما نهوا عنه) أي تقبيحًا من الهجنة وهي القبح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: مُسْتَعَار مما بين الجهتين الْمسامتتين ليدي الْإنْسَان تهجينا لما نهوا عنه. فاسْتعْمَال لفظ بين
هنا من باب التمثيل أي هُوَ اسْتعَارَة تمثيلية حيث شبه تعجيل الصحابة في إقدامهم عَلَى قطع الحكم في
أمر من أمور الدين بغير إذن الله ورسوله بحالة من تقدم بين يدي متبوعه إذا سار في طريق فإنه في العادة
مستهجن ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملًا في جانب المشبه به من الألفاظ والغرض تصوير
كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله ومثله قَوْلُه تَعَالَى في حق الْمَلَائكَة(لا يسبقونه
بالْقَوْل)أصله لا يسبق قولهم قوله فنسب السبق إليهم وجعل الْقَوْل محله تنبيهًا عَلَى
استهجان السبق المعرض به للقائلين عَلَى الله ما لم يقله.