صبروا عَلَى التَّقْوَى وتحملوا عَلَى متاعبها لكون نفوسهم مرتاضة بها متوقعة في مقابلتها
الثواب الجزيل الذي يستحقر لأجله مشاقها وتستلذ بسببه مساقها وذلك كله بتوفيق الله
تَعَالَى، ولذا قال امتحن الله وتَخْصيص الْقُلُوب بالذكر لأنها محلها وإنها ملك الجسد إذا
صلحت صلح الجسد، والْمُرَاد بالتَّقْوَى إتيان الأوامر واجتناب النواهي ومن جملتها خفض
أصواتهم الخ. فالامتحان مجاز عن التوفيق عَلَى الصبر لا مجاز عن الصبر بعلاقة اللزوم؛ إذ
الامتحان هنا مسند إلَى الله تَعَالَى والصبر حال المخلوق، وما ذكره أرباب الحواشي تكلف
بارد. قول الْمُصَنّف مرَّنها شاهد عدل عَلَى أنه فعل الله تَعَالَى، فلا وجه للْقَوْل بأنه كناية
تلويحية عن الصبر وهو حال العبد ولقول الطيبي معنى الآية راجع إلَى العباد.
قوله: (أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة) أو عرفها هذا
هو التأويل الثاني بالامتحاد مجاز عن المعرفة لأنه سببها الخ. والْمُصَنّف رضي به لأن
الممتنع إطلاق لفظ العارف والمعرفة لا معناها فإن الْمُرَاد منها العلم واستوضح بلفظ
السخي والجواد فإنه لا يطلق عليه لفظ السخي مع إطلاق لفظ الجواد عليه ومعناهما واحد.
قيل وإن اشتهر لكنه غير صحيح لأنه في نهج البَلَاغَة أطلق العارف عليه تَعَالَى، وقد ورد في
الْحَديث أَيْضًا فتدبر انتهى. والكتب [المعتبرة] مشحونة بأنه لا يطلق العارف عَلَى الله تَعَالَى
لعدم ورود إذن الشارع، والْحَديث غير معلوم، ولو سلم وروده في الْحَديث فلا نسلم صحة
إطلاقه عليه لجواز أن يكون للمشاكلة، ولذا ذهب عامة المحققين إلَى عدم جوازه. وبالْجُمْلَة
فلينقل الْحَديث الذي ادعاه حتى ننظر في صحته وضعفه وإنه للمشاكلة أو بدونها. فالْجَوَاب
الصحيح عن أصل الإشكال بأن يقال: أن يصح إسناد المعرفة دون إطلاق العارف. قال
الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ) الآية. إنه يصح إسناد التعليم
[إليه] تَعَالَى ولا يصح إطلاق المعلم عليه فكذا هنا.
قوله: (واللام صلة مَحْذُوف أو [للفعل] باعْتبَار الأصل) أي كائنة للتقوى خاصة كما
أشار إليه، والظَّرْف مُسْتَقرّ حال من الْقُلُوب ومقصود من العرفان وحاصل الْمَعْنَى عرف كون
قلوبهم خالصة للتقوى لأن محط الفَائدَة في الْكَلَام مثبتًا كان أو منفيًا قيده وهذا هُوَ الراجح.
أو صلة للفعل أو اللام متعلقة بـ امتحن باعْتبَار معنى الأصل وهو جرب كما ذكره أولًا لكن
ظاهره ليس بمراد بل الْمُرَاد الاعتياد، ولا يخفى ضعفه ولذا أخَّره لأنه بناء عَلَى أن الْكَلَام
كناية تلويحية عن الاعتياد كما نبه عليه من قال: ومعناه معتادة للتقوى، فإن الْمُرَاد حِينَئِذٍ
امتحان العبد والإسناد إلَى الله تَعَالَى للدلالة عَلَى التمكن كما في (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ)
وهو معنى قول الطيبي معنى الآية راجع إلَى العباد، ولا يخفى أنه تكلف بل
تعسف، والْقيَاس عَلَى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) قياس مع الفارق؛ إذ الختم فعل
الله تَعَالَى والامتحان عَلَى ما زعمه فعل العبد وإسناده إليه تَعَالَى للدلالة عَلَى التمكن.
قوله:(أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى، فإنها لا
تظهر إلا بالاصطبار عليها)هذا هُوَ التأويل [الثالث] فيكون الامتحان عَلَى هذا الضرب بالمحن