فهرس الكتاب

الصفحة 9481 من 10841

والْمُرَاد بالمحن التكاليف الشرعية الشاقة. قيل فلا مجاز في امتحن؛ إذ يجيء بمعنى ضرب

هذا. وقال في الأساس: محن الأديم: [مدّده] حتى وسّعه وبه فسّر قوله تعالى:(امتحن الله

قلوبهم)أي شرحها ووسّعها انتهى. فمعنى ضرب اعتمل أخَّره مع أنه

حَقيقَة وفعل اللَّه تَعَالَى بدون الإرجاع إلَى فعل العباد لأنه يحتاج حِينَئِذٍ إلَى تأويل. قوله

للتقوى بظهور التَّقْوَى؛ إذ العلة والغرض حِينَئِذٍ ظهور التَّقْوَى [لا نفسها] ، وأيضًا هذا الْمَعْنَى غير

متعارف وإن كان حَقيقَة. قوله فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار إشَارَة إلَى ما ذكرناه من أن الْمُرَاد

حِينَئِذٍ ظهور التَّقْوَى والعلم بأنهم يتقون؛ لأن حَقيقَة التَّقْوَى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد

والاصطبار عليها، فقوله فإنها لا تظهر تعليل للضرب الْمَذْكُور.

قوله: (أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه) هذا هُوَ

التأويل الرابع وهذا فعل الله تَعَالَى ومعنى جعل الْقُلُوب خالصة للتقوى أنه ليس لغير التَّقْوَى

حق فيها كأن التَّقْوَى ملكتها بأسرها وهو اسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من الأمور

العديدة وهي القلب وكونه محلًا للتقوى بحَيْثُ يكون مختصًا بها وجعل الله تَعَالَى إياها

كَذَلكَ بالهيئة المأخوذة من المال ومالكه وكونه مختصًا به بحَيْثُ لا يكون للغير حق فيه

فاستعمل اللَّفْظ الموضوع للهيئة المشبه بها في المشبهة، لكن كون هذا اللَّفْظ موضوعًا للهيئة

المشبه بها محل نظر. وقيل هذا من الْمَجَاز الْمُرْسَل بذكر المقيد وإرادة المطلق مراده ثم

إرادة المقيد الآخر من المطلق فيكون مَجَازًا بمرتبتين، أو إرادة المقيد الآخر عَلَى أنه فرد من

المطلق فيكون مَجَازًا بمرتبة واحدة، أو الْمُرَاد استعارة تبعية شبه إخلاص الْقُلُوب للتقوى

متميزه عن الرذائل بإخلاص الذهب متميزًا عن الغش فاستعمل ما هُوَ للمشبه به في المشبه.

وجه الشبه مطلق الْإخْلَاص وهو محسوس في المشبه به ومعقول في المشبه، وهذا أحسن

الْوُجُوه، ثم هكذا التأويل الرابع أحسن معنى وأقل تكلفًا، فلا يعرف وجه تأخيره تدبر. قوله

إبريزه أي خالص الذهب من خبثه أي من غشه، وفي هذه الاسْتعَارَة تنبيه نبيه عَلَى أن القلب

لا يتميز خبثه عن التَّقْوَى إلا بعد إحراقه بالتكاليف الشاقة فيظهر لطف هذه الاسْتعَارَة

واستحقاق تقديمها عَلَى سائر التأويلات، إلا أن يقال أراد الْمُصَنّف هنا طريق الترقي في

التأويل؛ إذ الثالث خير [مما] قبله لكنه أَيْضًا خلاف الظَّاهر. وفي الكَشَّاف بعد استيفاء

التأويلات قال: والامتحان افتعال، من محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد. قال أبو [عمرو: كل]

شيء جهدته فقد محنته انتهى. ومراده بيان أصل معناه وما ذكره أولًا فتأويل لذنوبهم.

قوله: (لغضهم وسائر طاعاتهم) متعلق بالمجموع أي كفرة ذنوبهم وأجر عظيم

لغضهم أصواتهم عند رسول اللَّه، وكذا الحكم عند العلماء العاملين وسائر العظماء الكاملين

فإن وجوب الغض عندهم ثابت بإشَارَة النص أو دلالة النص. قدم الْمَغْفرَة إذ التخلية مقدمة

على التحلية.

قوله: (والتنكير للتعظيم) أي تنكير مغفرة وأجر للتعظيم أي بيان أنه عظيم مُبَالَغَة في

عظمة بحَيْثُ لا يعرف كنهه فهذا أبلغ من قوله جنات النعيم حيث عبر بالأجر المبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت