الترتيب يفيد التعليل وما بالذات لا يعلل بالغير) وأن خبر الواحد عطف عَلَى قوله إن
المعلق بشيء الخ. وتعليل آخر له. قوله لو وجب تبينه معناه لو لم يقبل خبر الواحد لما
رتب عَلَى الفسق. أي لا يصح أن يكون معللا بالفسق لكن التالي باطل والمقدم مثله؛ لأن
عدم قبوله معلل بالفسق هنا فثبت بطلان اللازم والملزوم وبقي الْكَلَام في الملازمة.
فحاول بيانهما فقال: إذ الترتيب الخ. حاصله أن خبر الواحد عَلَى تقدير عدم القبول
يقتضي عدم القبول لكونه خبرًا واحدًا فيكون حِينَئِذٍ معللًا بالذات وما هُوَ معلل بالذات
على أنه علة تامة لا يعلل بالغير مُطْلَقًا فضلًا بالفسق لئلا يلزم تَحْصيل الحاصل؛ إذ لا
يجوز توارد العلتين المستقلتين عَلَى معلول واحد شخصي. وهذا تفصيل قوله وما
بالذات لا يعلل بالغير. فقوله: إذ الترتيب يفيد التعليل تركه أولى؛ إذ لا مدخل له في
التعليل مع انفهامه مما سبق، والْجَوَاب أن امتناع توارد العلتين المستقلتين عَلَى معلول
واحد شخصي إنما هُوَ في الوجود الخارجي، وأما في الوجود العلمي فلا [يتم] امتناع ذلك
أَلَا [تَرَى] أن الدعوى الواحدة تعلل بأدلة شتى. قال الفقهاء فرضية الصلاة ثابتة بالْكتَاب
والسنة وإجماع الأمة، ولا ريب في أن كلا منها دليل مستقل ونظائره لا تحصى في
الدلائل الْعَقْليَّة والنقلية والإنكار مكابرة ولا فرق في ذلك بين المعلل بالذات والمعلل
بالغير؛ إذ المحذور التوارد الْمَذْكُور، وسره أن في إبراز الدليل الثاني قطع النظر عن
الأول وهكذا في الثالث والرابع. ثم الْمُرَاد الخبر الواحد في الديانات فإن العدالة شرط
في قبوله كالخبر عن نجاسة الماء فإن أخبر بها مسلم عدل ولو عبدًا قُبل [ويتيمم] السائل.
دليله قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ [مِنْهُمْ] طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)
الآية. توضيحه في الأصول، وأما في المعاملات فيقبل قول فرد ولو كافرًا أو أنثى أو
فاسقًا أو عبدًا.
قوله: (وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» أي فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال) أشار به إلَى
أن الْمُرَاد من التثبت الثبات المعنوي وهو تبين الحال فمآله القراءة الأخرى وعلى تلك
القراءتين تدل عَلَى أن الفاسق أهل للشهادة وإلا لم يكن للأمر بالتبين فَائدَة، أَلَا [تَرَى] أن
العبد إذا شهد ترد شهادته لا بالتفحص فيها خلافًا للشَّافعي كذا قيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
حِينَئِذٍ هُوَ كونه خبر الواحد ولا يعلل بغير ذلك من فسق ذلك الواحد لأن ما بالذات لا يعلل
بالغير. أي لأن الشيء الذي يعلل بذات شيء آخر لا يعلل بغير ذات ذلك الشيء الآخر من
أوصافه المغايرة للذات.
قوله: أي فتوقفوا إلَى أن يتبين لكم الحال. قال الرَّاغب: في قوله:(إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا)[تنبيه أنه إذا كان الخبر شيئًا عظيمًا له قدر فحقّه أن يتوقّف فيه، وإن
علم وغلب صحّته على الظّنّ حتى يعاد النّظر فيه، ويتبين فضل تبيّن].